في الوقت الذي يجمع فيه المولد النبوي الشريف المسلمين على محبة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم سيرته والفرح بمولده، تمنح كل أمة هذه المناسبة شيئاً من روحها وتراثها، فتتحول الذكرى من بلد إلى آخر إلى لوحات مختلفة؛ هنا مدن كاملة تكتسي بالأخضر، وهناك جبال من الطعام، ومآذن مصنوعة من الشموع، وعرائس من السكر، وأطباق لا تظهر إلا في ليلة المولد.
اليمن: مدن تكتسي بالأخضر وحشود تملأ الساحات
في اليمن، وخصوصاً في صنعاء وعدد واسع من المحافظات، يتحول موسم المولد النبوي خلال الأسابيع السابقة للذكرى إلى حالة شعبية واسعة تمتد من المنازل والمساجد إلى الشوارع والأسواق والسيارات. وتكتسي العاصمة ليلاً باللون الأخضر، حيث تُضاء المساجد والمآذن والواجهات والمحال والمركبات، وتنتشر الرايات واللافتات المرتبطة بالمناسبة.
ومن أكثر المشاهد خصوصية مواكب السيارات المزينة بسلاسل الإضاءة الخضراء، إلى جانب المجالس والفعاليات الإنشادية والمدائح النبوية والموشحات اليمنية. وفي يوم المناسبة تتدفق الحشود من المديريات والمحافظات إلى ساحات مركزية كبيرة، بينها ميدان السبعين في صنعاء، حاملة الأعلام الخضراء وشعارات الاحتفاء بالمولد.
ويمتزج الاحتفال اليمني كذلك بالموروث الإنشادي الغني، فتصدح الموشحات والصلوات والمدائح النبوية في المساجد والمجالس والساحات، لتصبح المناسبة مشهداً جماهيرياً وثقافياً ودينياً واسعاً يمتد على مستوى المدينة لا داخل المسجد وحده.
السنغال: ليلة “الجامو” التي لا تنام فيها المدينة
في مدينة تيفاوان السنغالية، يعرف الاحتفال بالمولد البنوي باسم “الجامو” (Gamou)، وتتحول المدينة إلى مقصد لمئات الآلاف من الزوار. تمتلئ المساجد والمنازل والساحات بالوافدين، وتستمر حلقات الذكر والمدائح حتى الفجر، بينما تجهز كميات ضخمة من الطعام لإكرام القادمين.
ويمثل “الجامو” بالنسبة للسنغاليين أكثر من احتفال عابر؛ فهو موسم اجتماعي وديني واسع تتحول خلاله المدينة إلى ملتقى للصوفية والمدائح والتقاليد الأفريقية المحلية.
إندونيسيا: صراع ودي على “جبال الطعام”
أما جزيرة جاوة الإندونيسية فتقدم واحداً من أغرب مشاهد الإحتفال بالمولد النبوي عبر مهرجان “سيكاتين” (Sekaten)، حيث تُشيّد هياكل هرمية ضخمة تسمى “غونونغان” (Gunungan)، أي “الجبال”، وتغطى بالأرز والخضراوات والفواكه والبيض وغيرها من المنتجات.
وتُحمل “جبال الطعام” في موكب نحو المسجد الكبير في يوجياكارتا، وبعد انتهاء المراسم يتسابق الناس للحصول على أجزاء منها اعتقاداً بأنها تحمل البركة، في مشهد يحول الطعام نفسه إلى عنصر مركزي في المهرجان الشعبي للمولد.
المغرب: مآذن عملاقة من الشموع تجوب سلا
وفي مدينة سلا المغربية يحضر واحد من أكثر تقاليد الإحتفال المولد النبوي جمالاً، وهو “موكب الشموع” الذي تعود جذوره إلى قرون مضت.
ولا يحمل المشاركون شموعاً تقليدية فقط، بل هياكل خشبية ضخمة مزينة بآلاف القطع الشمعية الملونة، تُصمم على هيئة مآذن وقباب وأشكال هندسية دقيقة، ويحملها المشاركون في موكب يجوب المدينة القديمة على وقع الموسيقى الأندلسية والأهازيج والمدائح.
مصر: العروس والحصان المصنوعان من السكر
وفي مصر، يصعب تخيل المولد النبوي من دون “عروسة المولد” و”حصان المولد”. فقد ارتبطت المناسبة منذ قرون بصناعة تماثيل من السكر؛ عروس مزينة للفتيات وحصان يمتطيه فارس للصبيان، إلى جانب السمسمية والحمصية والفولية وغيرها من الحلويات الموسمية. وتشير المصادر إلى ارتباط الشكل المعروف لهذه التقاليد بالعصر الفاطمي، وإن اختلفت الروايات بشأن أصل العروس تحديداً.
وبذلك أصبح للمولد في الذاكرة المصرية طعم وصورة خاصة؛ فالحلوى ليست مجرد طعام، بل جزء من التراث الذي ينتظره الأطفال والأسر كل عام.
تونس: “عصيدة الزقوقو”.. طعام المجاعة الذي أصبح حلوى المولد الفاخرة
أما تونس فلديها قصة أكثر غرابة مع الإحتفال بالمولد النبوي؛ إذ ترتبط المناسبة بطبق “عصيدة الزقوقو” المصنوع من بذور الصنوبر الحلبي، وتغطى العصيدة بطبقة من الكريمة ثم تزين بالفستق واللوز والبندق في رسوم وأشكال دقيقة.
واللافت أن هذا الطبق ارتبط تاريخياً بمجاعة شهدتها تونس في القرن التاسع عشر، عندما استُخدمت بذور الصنوبر الحلبي مصدراً للغذاء، ثم انتقل بمرور الزمن من طعام الضرورة إلى واحدة من أشهر وأفخم حلويات المولد التونسية. كما تتبادل العائلات الصحون المزينة بين الأقارب والجيران.
كشمير: آلاف يتوافدون لرؤية أثر منسوب للنبي
وفي كشمير، يأخذ الاحتفال بالمولد النبوي بعداً روحياً شديد الخصوصية في مسجد حضرة بل بمدينة سريناغار، حيث يحتفظ المسجد بأثر يعتقد المسلمون المحليون أنه شعرة من شعر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي مناسبات دينية محددة، يتوافد الآلاف إلى المسجد لمشاهدة الأثر والصلاة وإحياء المناسبة، لتصبح زيارة حضرة بل أحد أكثر المشاهد الدينية تميزاً في كشمير.
باكستان: مدن تتحول إلى بحار من الضوء
وفي باكستان، تبدو ليلة المولد النبوي وكأنها مهرجان ضوئي مفتوح؛ فتغطي سلاسل الأنوار المساجد والأضرحة والشوارع والأسواق والمباني، وتطغى الألوان الخضراء على أحياء كاملة.
وتجوب المواكب الشوارع وسط المدائح والأناشيد، وتقام مجالس السيرة وإطعام الناس وتوزيع الحلوى، بينما تتنافس بعض المناطق في زخرفة المساجد والواجهات، حتى تتحول المدن ليلاً إلى مشهد ضوئي ضخم.
إثيوبيا: “الحضرة الهررية” والوجد الصوفي
وفي مدينة هرر التاريخية شرقي إثيوبيا، يحمل المولد النبوي نكهة أفريقية واضحة من خلال ما يعرف بـ “الحضرة الهررية”، حيث يجتمع المريدون والشيوخ في حلقات للذكر والمدائح، مرتدين الملابس التقليدية البيضاء والأوشحة الملونة.
وتصاحب الحلقات إيقاعات الدفوف والحركات الجماعية، فيما تُقدم القهوة الإثيوبية وغيرها من مظاهر الضيافة المحلية، فتختلط الثقافة الهررية الأفريقية بالإنشاد الصوفي وحلقات الذكر حتى ساعات متأخرة.
مناسبة واحدة.. وتسع لغات للفرح
وهكذا، فمن اليمن الذي يحول مدنه إلى بحر أخضر من الأنوار والحشود، والسنغال التي تسهر في “الجامو”، وإندونيسيا التي تبني جبالاً من الطعام، والمغرب الذي يصنع مآذن من الشموع، ومصر التي تنحت العروس والحصان من السكر، وتونس التي تزين “الزقوقو”، وكشمير التي تتوافد لرؤية الأثر النبوي، وباكستان التي تغرق مدنها بالأنوار، وصولاً إلى الحضرة الهررية في إثيوبيا، تختلف التفاصيل ويبقى جوهر المناسبة واحداً.
فالمولد النبوي لم يتحول عبر القرون إلى قالب احتفالي واحد، وإنما أصبح مساحة واسعة تعبّر من خلالها الشعوب عن محبتها للرسول بطريقتها، وتمزج فيها الدين بالتراث والذاكرة والهوية المحلية، حتى أصبحت لكل بلد حكايته الخاصة في استقبال ذكرى مولد خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.