الرئيسية بلوق الصفحة 12

ذكرى المولد رسالة تعظيم ومحبة وتأكيد على سيرة المجد الإيماني

تخوض الأمة الإسلامية اليوم معركة وعي وجودية تتطلب العودة إلى ينابيع قوتها الإيمانية، وفي مقدمتها الاستمساك بالرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- ولا يقتصر الاحتفاء بالمولد النبوي الشريف على كونه طقسًا عاطفيًّا، بل هو تجديدٌ لموقف إيماني واستراتيجي يُعيد للأمة فاعليتها الحضارية والجهادية في مواجهة قوى الاستكبار.

تُمثّل ذكرى المولد النبوي الشريف على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأزكى التسليم، محطة استثنائية في تاريخ البشرية؛ فهي الذكرى الخالدة لظهور نور الهدى والرحمة المهداة، الذي أخرج الأمة من ظلمات الجاهلية إلى نور العدل والحرية.

إن رفعة ذكر النبي الأكرم مقترنة بأمر إلهي صريح بتكريمه والتبرك بالصلاة والسلام عليه، كما جاء في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}، ومن هذا المنطلق، يأتي تعظيم هذه المناسبة كاستجابة إيمانية صادقة وتذكير بأعظم نعم الله على العالمين، ردًّا على كل الدعاوى القاصرة التي تحاول تجريم الاحتفاء بذكرى مولده العاطر تحت شماعة البدعة.

الاحتفاء بالمناسبات الوطنية أو الأيام العالمية يُقبل بغير كفاءة، بينما يُستكثر على أمة الإسلام أن تحتفل بالحدث الأبرز الذي وضع اللبنات الأولى لحقوق الإنسان الحقيقية وأقام موازين الحق؛ فكيف لا تُحيي الأمة ذكرى من أخذ الله له الميثاق على سائر الأنبياء والمرسلين للإيمان به ونصرته، وكان دعوة الخليل إبراهيم وبشارة المسيح عيسى عليهما السلام، ومسطور الصفات في التوراة والإنجيل كـنبيٍّ يحلّ الطيبات ويضع عن الناس إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

وتتجلى عظمة الرسول الأعظم فيما أسبغه الله عليه من الثناء الثابت بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}، وهي الحقيقة التي أقرّ بها حتى المنصفون من مؤرخي الغرب، الذين صنفوه في صدارة أكثر الشخصيات تأثيرًا وقيادةً في التاريخ الإنساني، وتتكامل هذه المكانة مع المنظومة الإيمانية الجامعة للأمة التي تؤمن برسل الله كافة دون تفريق، وتستمد من سيرة خاتمهم دروس الصمود والرحمة والوحدة.

إن التمسك بهوية المولد النبوي الشريف هو تعزيز للهوية الإيمانية الأصيلة ورسالة صمود جليّة في وجه المشاريع الثقافية الغريبة، التي تسعى لفصل الأمة عن مقدساتها ورموزها الدينية؛ لقد مثل اليمنيون عبر التاريخ النموذج الأرقى في نصرة الرسول الأعظم -صلى الله عليه وآله وسلم- منذ عهد الأنصار، وها هم اليوم يجددون هذا الوفاء والولاء في الساحات والميادين، معلنين تمسكهم بالمنهج النبوي الشريف في مواجهة الطغيان والاستكبار العالمي.

واستحضار السيرة النبوية في هذا التوقيت العصيب يزود الأمة بالوعي والبصيرة لمواجهة قوى الظلم، ويؤكد أن العزة والحرية لا تُنالان إلا بالسير على خطى سيد المرسلين؛ كما أن الاحتفاء الحقيقي ينعكس في ترجمة أخلاقه -صلى الله عليه وآله وسلم- إلى واقع عملي يجسد التكافل الاجتماعي، وتفقّد الفقراء والمساكين، وإفشاء قيم الرحمة والمؤاخاة بين أبناء المجتمع، ليكون المولد النبوي محطة شحن معنوي وإيماني تتجدّد معها الطاقات لبناء مجتمع قوي متماسك.

إننا وفي هذه الذكرى المباركة، ندعو الشعب اليمني العزيز والأمة الإسلامية والإنسانية قاطبة، إلى تجديد الولاء لرسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- واستلهام قيم الجهاد والرحمة والمحبة من سيرته النيرة؛ فالنبي الأكرم المذكور في كل أذان وصلاة، والمقرون اسمه بالشهادة، أحق أن تُقدّم محبته على النفس والمال والولد؛ ليبقى المولد النبوي الشريف محطةً لاستعادة المجد، واستجماع القوة، ورفض كل أشكال التجهيل والتضليل.

ختامًا، نهنئ أمتنا الإسلامية والشعب اليمني الأبي بهذه الذكرى العطرة، سائلين الله تعالى أن يعيدها على أمتنا بالخير واليُمن والبركات، وبالنصر والتمكين والعزة والرفعة، وأن يمنّ على مجتمعاتنا بالأمن والأمان، وعلى الشعوب المستضعفة بالفرج القريب، وكل عام وأمتنا الإسلامية والشعب اليمني بخير وعزة وكرامة، على درب الرسول الأعظم صامدون ومن نهجه مستمدون.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مبارك حزام العسالي

اليمن يكتسي حلته المحمدية.. وشعبٌ يحتفي بأشرف خلق الله

عاجل.. سماء العاصمة اليمني تضيء بالألعاب النارية بمناسبة المولد النبوي الشريف

على مدى أكثر من شهر، اكتسى اليمن حلته السندسية الخضراء، وتعطرت أجواؤه بالصلاة والسلام على رسول الله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- في مشهدٍ شعبي واسع لا يمكن اختزاله في مظاهر احتفالية عابرة، لأنه في جوهره تعبير عن علاقة إيمانية عميقة بين شعبٍ عُرف منذ فجر الإسلام بحبه للنبي الكريم، وبين مناسبة تستحضر مولد خاتم الأنبياء والمرسلين.

فمنذ وقتٍ مبكر، بدأ الشعب اليمني وقيادته الاستعداد لهذه المناسبة، وتوالت اللقاءات الموسعة والفعاليات الخطابية والشعرية، والمسيرات الطلابية، والأنشطة التربوية والشعبية، والأمسيات الثقافية والتوعوية، والندوات والوقفات والمسيرات الضوئية واللقاءات العلمائية، لتشمل المدن والأرياف، والمؤسسات الحكومية والعسكرية والأمنية، في لوحة شعبية متكاملة عنوانها: محمد رسول الله.

وهنا تكمن أهمية المولد النبوي في الوعي اليمني؛ فالمولد ليس مجرد استذكار تاريخي ليوم وُلد فيه النبي -صلى الله عليه وآله- وإنما مناسبة لإحياء سيرته، واستحضار أخلاقه، وتجديد الاقتداء به، وربط الأجيال برسالته ومبادئه وقيمه.

قال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، وهي آية تختصر جانبًا مهمًا من شخصية الأمة التي أرادها الإسلام: عزةٌ في مواجهة العدوان والاستكبار، ورحمةٌ وتكافلٌ وتراحمٌ بين أبناء المجتمع.

ولذلك لم تقتصر مظاهر الاحتفاء على الأعلام والإنارة والفعاليات، بل اقترنت بالمبادرات الاجتماعية ومشاريع الإحسان والتكافل.

فقد دشنت الهيئة العامة للأوقاف والإرشاد برنامج مشاريع «وتعاونوا على البر والتقوى» بقيمة أربعة مليارات ريال للعام 1448هـ، كما أطلقت هيئة الزكاة، بمناسبة المولد النبوي، مشاريع الإحسان بقيمة أربعة عشر مليار ريال، في صورة تعكس أن الاحتفاء برسول الله لا ينفصل عن الإحسان إلى الناس وخدمة المجتمع.

كما شهدت المحافظات مهرجانات وفعاليات احتفالية متعددة، واختُتم مهرجان الرسول الأعظم للثقافة والإبداع في دورته الثالثة عشرة، بما يؤكد أن المناسبة أصبحت مساحة لإبراز الطاقات الثقافية والإبداعية والفكرية، إلى جانب بعدها الديني والروحي.

إن هذه المظاهر وغيرها تقول شيئًا واحدًا: إنّ حب رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- هو ثقافة متجذرة في وجدان المجتمع، تتحول في كل عام إلى عملٍ ووعيٍ وتكافلٍ وحضورٍ شعبي واسع.

وحين تكتظ غدًا الساحات بالرايات الخضراء، وتتعالى الصلاة والسلام على رسول الله وآله؛ فإن المشهد لا يعبر فقط عن الفرح بمولده، لكنه يعبر أيضًا عن تجديد العهد بالاقتداء به والتمسك برسالته، في زمنٍ تتعرض فيه الأمة لمحاولات متواصلة لسلخها عن هويتها وقيمها وتاريخها.

ومن هنا تأتي خصوصية الاحتفال اليمني بالمولد النبوي الشريف؛ فاليمن الذي وصفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: “الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية”، يرى في هذه المناسبة فرصة لتجديد هويته الإيمانية واستحضار مسؤوليته تجاه قضايا الأمة، وفي مقدمتها مواجهة الظلم والعدوان ونصرة المستضعفين.

واليوم، وقد اكتملت الاستعدادات في الساحات المركزية بمختلف المحافظات، تتجه الأنظار إلى يوم المولد النبوي الشريف، حيث يستعد أبناء الشعب اليمني للخروج في حشودٍ شعبية واسعة، ابتهاجًا بذكرى مولد خاتم الأنبياء، وتجديدًا للعهد برسالته وقيمه ومبادئه.

إن الحشود المحمدية التي ستلتقي غدًا في العاصمة صنعاء، في ميدان السبعين، وفي بقية الساحات بالمحافظات، وستستمع لكلمة السيد القائد الحكيم، ليست مجرد أعداد تتجمع في مكان واحد؛ إنها رسالة شعبية تقول إن محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- حاضر في وجدان هذا الشعب، وإن محبته ليست مناسبة تنتهي بانتهاء يوم الاحتفال، وإنما منهج حياة واقتداء وسلوك.

وهكذا يستقبل شعب يمن الإيمان والحكمة مولد نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: بالصلاة والسلام، بالفرح، بالثقافة، بالإحسان، بالتكافل، وبالحضور الشعبي الواسع؛ مؤكدًا أن أعظم ما يمكن أن نقدمه في ذكرى مولده ليس مجرد الاحتفال به، وإنما أن نجعل من سيرته نورًا في حياتنا، ومن أخلاقه سلوكًا في واقعنا، ومن رسالته عهدًا لا نحيد عنه.

فصلوات الله وسلامه على سيدنا محمد وآله، يوم وُلد، ويوم أُرسل، ويوم أضاء برسالته طريق البشرية، ويوم نلقاه وهو عنا راضٍ.

وظهر غد الثلاثاء، الثاني عشر من ربيع الأول 1448هـ، الموافق 25 أغسطس 2026م، سيكون اليمن على موعد مع مشهدٍ مليوني محمدي كبير، عنوانه الفرح برسول الله، وتجديد الاقتداء به، وإظهار الحب والوفاء لنبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

عبدالله علي هاشم الذارحي

معيار التقييم الإلهي لأداء حكومة الشهداء

طالما كانت المناصب والحقائب الوزارية مطمعًا تتسابق إليه الأحزاب والشخصيات، لتحظى بالمغنم الأوفر والنصيب الأكبر من الفوائد والمصالح والمكانة على كافة المستويات، ولذلك كانت التعيينات تُمنح كمكافآت للأتباع المخلصين، وكترضية لتكريس الولاء واستقطاب المحايدين، وإسكات الخصوم المعارضين، ليتحول التشكيل الوزاري إلى جوقة موسيقية، على مسرح الفعل السياسي، هي أقرب ما تكون إلى الحاكم، وأبعد ما تكون عن الشعب وهمومه وتطلعاته.

ولم يقتصر هذا الوضع على المشهد اليمني، بل كانت استراتيجية عامة، تحكم المسار السياسي العربي والإسلامي دون استثناء، ويمكن القول إن هذه الاستراتيجية تمثل رؤية المحتل المستعمر المتعالي، ولا يمكن أن تمثل الحاكم ابن البلد، غير أن الحكومات العربية كانت صنيعة المستعمر الغربي، لذلك قامت بتمثيله وخدمة مصالحه ومشاريعه، وقتل شعوبها لنيل رضاه، وهو ما جعل الشعوب تسعى لإسقاط تلك الأنظمة.
ورغم المؤامرات التي انحرفت بمسار ثورات الربيع العربي، إلا أن الشعب اليمني استطاع تصحيح مسار ثورته، في 21 سبتمبر 2014م، ليصبح بذلك الامتياز الوحيد في عملية التغيير، والتعبير عن الإرادة الشعبية الحرة، وكانت حكومة صنعاء – وبالذات حكومة التغيير والبناء – هي ضمير الشعب وترجمة إرادته، حيث مفاهيم المسؤولية تستند إلى مرجعية دينية، وعملية تقييم الأداء تخضع لمعايير إلهية بحتة.
إن المسؤولية القائمة على المبادئ الإيمانية، والتكليف المستند إلى قيم الحق والعدل، يجعل من المناصب والحقائب الوزارية ميدانًا لخدمة الناس والصدق مع الله، بحيث لا تُقاس شرعية الحكومات وحيويتها بالاعتراف الدولي أو المنجزات المادية الفانية، وإنما بمدى استعدادها للتضحية من أجل المبادئ، والالتحام الكامل بآلام المستضعفين وآمالهم، وهو ما نستحضره ونحن نقف اليوم، في ذكرى الاستهداف الغادر، لحكومة التغيير والبناء برئاسة الشهيد أحمد غالب الرهوي، التي صاغت بأحرف من نور أسمى صور العطاء والتضحية، بعدما تحول تقييمها السنوي الأدائي إلى معراج حقيقي نحو التقييم الإلهي الأسمى.
إن المقاربة المعرفية لدلالات الوعي السياسي المتقدم، من منظور العطاء والتضحية والشهادة، تجعلنا ننظر إلى حدث العام الماضي (أغسطس 2025)، كـ”وثيقة اصطفاء إلهي”؛ فحينما حلقت طائرات العدوان الأمريكي الإسرائيلي، لتستهدف اجتماعًا رسميًا للحكومة – خُصص تحديدًا لورشة عمل اعتيادية، لتقييم نشاطها وأدائها الخدمي والسياسي، بعد عام من التكليف – فإنها لم تضرب مجرد هيكل إداري، وإنما استهدفت منهجية “المسؤولية القرآنية الحية”، كما أن ارتقاء نصف أعضاء الحكومة شهداء، مع رئيسهم المجاهد أحمد غالب الرهوي، وهم يحملون تقارير إنجازاتهم وجهادهم، يمثل الذروة الإيمانية لحقيقة المسؤولية، وقيمة الإنجاز المختوم بالشهادة على الناس، ولصورة النموذج الأرقى للحاكم الخادم والمستشهد في ميدان واجبه.
وتتجلى قيمة وعظمة هذا التقييم الإلهي، لأداء حكومة الرهوي ورفاقه، من خلال أبعاد استثنائية صاغتها دماؤهم الكريمة وعطاؤهم اللامتناهي، فقد مثلوا:
1- شهادة الصدق والوفاء بالعهد؛ حيث أثبت الرئيس الرهوي ورفاقه الوزراء بدمائهم الزكية، أنهم لم يكونوا رجال مناصب أو باحثين عن امتيازات، بل حملوا أمانة المسؤولية في أصعب الظروف؛ تحت الحصار والعدوان.
2- التكامل بين النظرية السياسية والتطبيق؛ فقد حدث الاستهداف الغادر وهم يمارسون “التقييم الذاتي”، كأداة لبناء الدولة والحد من التقصير، ليمتزج حبر التقييم البشري بدماء التزكية الإلهية، مجسدين المفهوم القرآني للرقابة الصارمة.
3- عالمية الموقف والامتداد؛ إذ كان الاستهداف ثمنًا للموقف المبدئي الثابت لحكومة صنعاء، في نصرة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، ضد الغطرسة الصهيونية والأمريكية.
إن هذا الاستشهاد الجماعي، في سياقه الرسمي الحكومي، قد غيّر مفهوم المسؤولية وطبيعة الإدارة الحكومية، في الوعي الجمعي اليمني، فأصبح المقياس الحقيقي هو حجم البذل والعطاء والصدق، الذي يجعل من دماء القيادة وقودًا لصمود الأمة وثباتها، ومواصلة مسار التغيير الجذري.
إن هذا المعيار الرباني العظيم، الذي يربط بين العمل الدنيوي، والمسؤولية القيادية، والشهادة الخالدة، قد تجسدت عظمته وتمثلت خلاصته، في دماء الرئيس الشهيد الرهوي ورفاقه الوزراء الشهداء الكرام، التي رسمت مسار العطاء واستحقت وثيقة الخلود، مؤكدة أن الحكومات تظل حية بمبادئها، وخالدة بشهادتها على عظمة المشروع القرآني، وعظيمة بعظم الجزاء والثواب الإلهي، بالخلود الأبدي والبشارات اللامتناهية، خاصة وأن من مضى يستبشر بمن بقي منهم، وهم جميعًا “من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إبراهيم الهمداني

ذكرى ميلاد النور

القيادة الثورية والسياسية توجه رسالة شكر للقائمين على فعاليات المولد النبوي
القيادة الثورية والسياسية توجه رسالة شكر للقائمين على فعاليات المولد النبوي

مع إطلالة شهر ربيع الأول، تتجدد إطلالة النور الذي أشرق على البشرية جمعاء. إنه شهر مولد سيد الخلق، محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حيث بزغ فجر الرسالة المحمدية لتكون منهجًا للحياة، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الإنسانية.

في الثاني عشر من ربيع الأول، أشرق نور الهدى على الوجود، واستبشرت بطلعته الأرض والسماء، فتبددت ظلمات الجهل، وبزغ الفجر في العالمين.

وها هي اليوم أرض اليمن، كعادتها من قديم الزمن، تتزين بأبهى حللها لاستقبال ذكرى ولادته المباركة. قلوب أبنائها تلهج بذكره، وحمداً لله الذي كرمنا بهذه الرسالة، ولا عجب أن يكون شعب اليمن هو الأكثر ابتهاجاً وفرحاً بهذا اليوم، وهو النبي الذي ذكر هذا الوطن وشعبه الأنصار في عدد من وصاياه الشريفة. إنه وسام شرف يُوضع على قلب اليمن على مدى الأزمان، وسنظل نحتفظ بالمزايا التي زيننا بها الله ورسوله، لنكون قدوة لعالم الإسلام، مهما واجهنا من صعوبات وأزمات صنعها لنا الكفار والحساد، الذين يحاولون ثنينا وإبعادنا عن هديه صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يمحوا ذكراه فينا.

لقد وصل بهم الأمر أن قالوا إن الفرح والاحتفال بهذه المناسبة العظيمة بدعة، وهو ما يتماهى مع قول اليهود الذين أصبحنا اليوم في مواجهة مباشرة معهم، في حرب تستهدف الروح والهوية، لكن العاقل هنا هو من يتفكر وينظر للفائدة العظمى من إحياء هذه الذكرى.

ولننظر أولاً لما تعانيه الأمة الإسلامية من هجمات شرسة ومباشرة من أعدائها، فضلاً عن محاولات محو القيم الإسلامية النبوية، حتى وصلوا إلى تحريف بعض الأحاديث النبوية، وتغييب بعض آيات القرآن الكريم وتفسيرها تفسيراً لا يتناسب مع عظمتها وأهميتها، وفي ظل الاعتداءات المتكررة على المقدسات والإساءة للإسلام ولنبي الإسلام ولكتاب الله العظيم، نحن بهذه الذكرى، نقوم بعمل الفعاليات المختلفة التي من خلالها نجدد ذكر رسول الله وكأنه ما زال بيننا، ونتناقش ونتذاكر سيرته العطرة، ونعمل بكل جد على تطبيق منهجه القويم.

وهذا هو حفاظٌ على الدين من الضياع في واقع قد انحرف فيه الكثير، وارتد البعض عن هذا الدين، وانتشرت حملات التشويه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وللدين الإسلامي أجمع.

نحن بإحيائنا هذه المناسبة، نوضح للعالم من هو رسول الله، وما هي الرسالة الإسلامية، وبالاحتفاء، يكمن ترسيخ حبه في قلوب الأطفال، لينشأ جيل قوي مؤمن، محب لرسول الله، متمسك بهديه.

فنحن في زمن الضياع، وإذا لم نرسخ العقيدة الإيمانية في القلوب، فسوف ينشأ جيل فاسد يتبع أعداءه، وتضيع هذه الأمة. ولا غرابة حينها أن يكون الشاب لا يعرف من الإسلام سوى كلمات جوفاء، فيما يملأ فكره العداء لدينه، ولا يعرف عن رسوله سوى اسمه، وسيكون القرآن كتاباً مهجوراً في رفوف النسيان.

ولو لم يكن من إحياء هذه الذكرى إلا الصلاة على رسول الله، والكلام عن سيرته ومنهجه، والاجتماعات الإيمانية وذكر الله ورسوله، والتناصح لبعضنا البعض، لكان إحياء ذكراه واجباً علينا.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سن في الإسلام سنة حسنة كان له مثل أجرها وأجر من عمل بها”.

ونحن حين نجتمع ونتذاكر سيرته، نحتشد ونصلي عليه بصوت واحد، وتذرف الدموع حباً وشوقاً له، وهو يرانا عند مليك مقتدر ويفخر بنا أمام الملائكة. ولقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).

لقد قرن الله اسمه باسم رسولنا، وما أجمل أن نكون نحن المؤمنين الذين استجابوا لله ولهجت ألسنتنا بذكره وبالصلاة على رسوله الكريم.

هكذا يجب أن نفكر في فائدة إحياء هذه الذكرى قبل أن نفتح آذاننا لما يقول الحاقدون، ولنعلم أن الكثير من علماء المسلمين في السابق قد أفتوا باستحباب الاحتفال بمولده. لكن انحياز قادة المسلمين للأعداء في وقتنا الحالي هو الذي جعلهم يقفون ضد هذه الاحتفالات، بحجة أنها بدعة فقط لأنهم مأمورون من قادتهم الغربيين. وإلا فإنهم يقومون باحتفالات مخلة بالآداب الإسلامية، فلماذا لا نجد من يستنكرها؟ يجب أن نكون واقعيين ونبتعد عن المكائد والأحقاد التي قد نخرج بسببها عن الدين بكله، فقط لأننا ضد هذا أو ذاك.

أما من يقول لماذا نحتفل بمولده وقد توفي في نفس اليوم الذي وُلِد فيه، هنا نقول: “الرسول وُلِد والأمة في ضلال”، والجميع يعلم حال الأمة قبل نشر الرسالة التي أرسلها الله إلينا على يد حبيبه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكيف أصبحت الأمة بعد إكمال الرسالة ووفاته صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. ولهذا فمن يعتبر أن وفاة الرسول ومولده سواء فهذا شأنه.

أما نحن، فنحتفل ونؤمن أنه قد أكمل الرسالة، وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وانتقل إلى جوار الله ليرى حالنا من بعده، وقد علمنا وأرشدنا إلى الحق.

أخيراً، يجب أن تكون هذه المناسبة دافعاً لتغيير أنفسنا للأفضل، ومحاولة تطبيق أخلاق رسول الله في أنفسنا وفي حياتنا اليومية، في البيت وفي العمل وبين الإخوة والأصدقاء، لنكون مقتدين برسول الله قولاً وفعلاً، لنكسب حب الله ورسوله. وعلينا مراجعة أنفسنا وإحياء ضمائرنا وتصحيح أخطائنا، قبل أن يحاسبنا الله ورسوله يوم القيامة. ونحن في اليمن نفخر أنه منا من ناصر رسول الله في المدينة المنورة، ونحن اليوم نجدد العهد والبيعة لرسول الله، وسوف نناصر الله ورسوله في غزة وفلسطين وجميع بلاد المسلمين بما نستطيع. والحمد لله على نعمة الإسلام وميلاد خير الأنام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أسماء الجرادي

هل تخلصت الطبقة السياسية في أوروبا من أمراض العنصرية، الشوفينية والنازية المتوحشة؟

تَمْتَلِئُ ملفات، وأضابير وأرفف معظم المكتبات العالمية الورقية، والإلكترونية بجميع الأساليب غير الأخلاقية وغير الإنسانية والوحشية الناتجة من ممارسات، وسلوك، وفعل الملوك، والقادة السياسيين، والرأسماليين، وحتى بابوات الكنائس الكاثوليكية، والبروتستانتية، والأنجليكانية، وغيرها من المذاهب، والملل، والنحل المسيحية في أوروبا الاستعمارية الرأسمالية الغربية، منذ أن بدأت الحقبة والغزو الاحتلالي الاستعماري على كل القارات من أفريقيا، وآسيا، وأستراليا، والأمريكتين، حيث تشير المصادر المكتوبة، والموثقة إلى جرائم الإبادات الجماعية البشرية للإنسان صاحب الأرض، والمكان، والمرعى في جميع تلك القارات التي تم استعبادها، واحتلالها، والتنكيل الوحشي بأهلها، ومن ثم إبادتها.

المؤرخون المحترمون الإنسانيون الثقات من الأوروبيين البيض تحديداً قد كتبوا كل تلك الشواهد، والممارسات من الفترة الزمنية الماضية التي رافقت زمن الاحتلال الاستعماري، كتبوا توثيقهم التاريخي لجميع تلك الجرائم بكثير من الصدق والموضوعية، والأمانة، واليوم يعود، ويستند الباحثون، والكتابُ الجَادُّونَ إلى جميع تلك المراجع التاريخية الصحيحة، يستندون عليها في أبحاثهم ودراساتهم، والبعض من المؤرخين الأوروبيين البيض العنصريين يكتبون التاريخ على هواهم، ومزاجهم، وبما يخدم موقفهم العنصري المريض المعادي للإنسانية جمعاء.

دعونا نستعد، ونستذكر بعضاً من تلك المواقف، والسلوكيات الشاذة، والتصرفات غير الإنسانية التي رافقت تلك الحملات التي تمت من قبل المستعمر المحتل الإسباني، والمستعمر المحتل البرتغالي، والمستعمر المحتل البريطاني، والمستعمر المحتل الفرنسي، والمستعمر المحتل الهولندي، والمستعمر المحتل البلجيكي، والمستعمر المحتل الإيطالي، وأخيراً وليس بآخر، هو المستعمر المحتل الألماني.. جميع هذه الدول، ولا نفرق بينهم، ومنهم من أمعن في التعامل الوحشي مع الشعوب، والبلدان التي تم احتلالها، واستباحتها، واستعبادها ونهبها، وسرقة خيراتها، والقتل والتنكيل بأهلها الأصليين.

ورُبَّما أن القارئ اللبيب هو من الجيل الجديد الحالي الذي لا تتجاوز أعمارهم الـ30 أو الـ40 عاماً، ولم يعايش، ويتعايش إعلامياً وسياسياً وثقافياً مع تلك الفترات المؤلمة التي تعرضت لها معظم بلدان العالم للاحتلال والسيطرة، وكانت تلك المشاهد، والأحداث تُعرض في وسائل الإعلام المكتوبة، والمقروءة، والمسموعة عن جرائم الاحتلال الأجنبي لتلك البلدان التي تضررت كثيراً من الحقبة الاستعمارية الاحتلالية السوداء.

وهنا علينا استثناء ظاهرة الاستعمار الاستيطاني اليهودي الصهيوني التي تعرض لها أهلنا في فلسطين المحتلة من العصابات الإسرائيلية الصهيونية التي احتلت أرض فلسطين بقرار جائر ظالم تعسفي من قبل تلك الدول والقوى الاستعمارية المهيمنة على قرار مجلس الأمن الدولي، ومنظمة الأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947م، والذي بموجبه تم اقتطاع أرض فلسطين الغالية، وتخصيص جزء عزيز منها لتؤول إلى شذاذ الآفاق من اليهود المشردين من حول العالم، وبموجب ذلك القرار التقسيمي الجائر الظالم تم طرد أهلنا الفلسطينيين العرب من قراهم، وضياعهم، وحاراتهم، ومدنهم التي عاشوا فيها آلاف السنين، وورثوها من عائلاتهم، وأسرهم، ومجتمعاتهم الفلسطينية أباً عن جد.

نعم، الجيل العربي، والمسلم الشاب قد رأى شكلاً من أشكال الجرائم التي مارستها العصابات الإسرائيلية الأمريكية الأوروبية بحق الشهداء والجرحى والمفقودين الفلسطينيين، واللبنانيين، والسوريين، واليمنيين، والعراقيين، والإيرانيين، ما يُمارس من أشكال التوحش، والأساليب غير الإنسانية، وغير الأخلاقية، هو نموذج مصغر ارتكبه أبناء الصهاينة مقارنة بأجدادهم الذين مارسوه في حق الشعوب للأمم المختلفة في جميع قارات العالم.

دعونا نستذكر بعضاً من تلك الجرائم لهؤلاء الملوك، والقادة السياسيين والعسكريين، وحتى بعض المفكرين والفلاسفة منهم، وتحديداً من قارة أوروبا الغربية، أوروبا مرحلة التنوير كما يدعون، وهي القارة الوحيدة في العالم التي صنعت كل تلك الجرائم، ومارستها بحقد أعمى بحق الإنسانية جمعاء: حينما غزت قطعان الجماعات الأوروبية من القتلة الأوروبيين البيض الذين هبوا فرادى وجماعات وزرافات للذهاب نحو القارة المكتشفة كما يزعمون، وهي الأمريكيتان، وجدوا فيها أهل الأرض الأصليين، وهم أناس ذوو حضارة إنسانية خاصة بهم، ولكنها متطورة، بدليل أنهم بنوا السدود، والأهرامات الأمريكية الجنوبية العملاقة في المكسيك، وفي عدد من البلدان والأقاليم في أمريكا الجنوبية، وكذلك وجدوهم أناساً مسالمين بسطاء لا يعرفون السلاح الناري، ولا يستخدمون سوى سلاح الرماح، والفؤوس، والآلات الحديدية الحادة، وغيرها فحسب، وجاءهم الإنسان الأوروبي الأبيض الإرهابي القاتل حاملاً معه سلاح البندقية، والأسلحة النارية المتوسطة، وكذلك حاملين في ذاكرتهم تجربة الحروب الأهلية القاتلة التي نشبت فيما بين الأوروبيين بعضهم ببعض، وجاء الأوروبيون بفكرة أن هؤلاء البشر أصحاب الأرض لا يستحقون العيش في تلك الأراضي الغنية والخصبة الشاسعة في الأمريكيتين، ومن هذا المنطلق العنصري الأوروبي الذي يقول إن هذه الأرض الأمريكية بلا شعب في الأساس، ونحن الأوروبيين جئنا إلى هنا عبر موجات المحيط الأطلسي الهائجة، وعليه فنحن من يستحق العيش فيها، وتعميرها، والاستفادة من خيراتها باعتبارها أرضاً بكراً.

إذاً، نحن شعب بلا أرض، وصاحبت الفكرة الجهنمية القاتلة اصطحاب مجاميع من المبشرين من القساوسة، والبابوات، والآباء المسيحيين الروحيين، هؤلاء قد شرعوا دينياً، وبرروا للقتلة الأوروبيين ممارسة الإبادة الجماعية لأهل الأرض الأصليين الذين تم تسميتهم الهنود الحمر، كما صنفوهم، وقتلوا من أصحاب الأرض الأصليين الملايين، وربما عشرات بل مئات الملايين، كما تشير المصادر، والكتب، والملفات التاريخية العديدة، كما نقل الأوروبيون البيض من قارة أفريقيا العديد من المواطنين الأفارقة الذين تم اختطافهم، وأسرهم، وسرقتهم هم وعائلاتهم، وأبناؤهم، وبناتهم، وتم تجميع هؤلاء الأفارقة الأحرار فيما سموه تجارة العبيد، وتم احتجازهم في الجزر الأفريقية المقابلة لبلدان غرب أفريقيا كالسنغال، ومالي، ووسط وغرب القارة الأفريقية، وبعدها يتم شحنهم إلى ميناء “ليفربول” البريطاني، وكان ذلك في العام 1700م، ومن ثم يتم نقلهم بمئات الآلاف إلى جزر “أرخبيل الكاريبي”، وبعدها يتم نقلهم إلى أمريكا الشمالية، وكذلك بلدان أمريكا الجنوبية، كالبرازيل، والأرجنتين؛ ليتم بيعهم عبيداً على ملاك الأراضي الأوروبيين البيض؛ كي يقوموا بزراعة القطن والسكر، والكاكاو، والحبوب، وكذلك استخراج مادتي الذهب والفضة، وتشير التقارير المحايدة بأن من تم نقلهم من أفريقيا السوداء إلى الأمريكيتين الشمالية، والجنوبية بعدد لا يقل عن 30 مليون إفريقي وإفريقية، وهم أحرار، بعضهم قد اعتنق الديانة الإسلامية؛ أي أنهم مسلمون، وبعضهم من اعتنق الديانة المسيحية، أي أنهم مسيحيون، والبعض منهم لادينيون، وتم بيعهم كالمواشي، والحيوانات في مزاد علني غير إنساني في أسواق الرق كعبيد في مواقع وأمكنة قد حُددت لهذه الغاية سلفاً.

وهنا نذكر القارئ اللبيب بمؤتمر قاري كبير شهير انعقد في العاصمة الألمانية برلين، بهدف تقاسم مناطق النفوذ في إفريقيا، المنعقد بتاريخ ما بين 15 نوفمبر 1884 و26 فبراير 1885م، بدعوة من المستشار الألماني/ أوتو فون بسمارك. لقد كان هدف المؤتمر هو تنظيم تقسيم مراكز النفوذ الاستعماري بين الدول الأوروبية المحتلة للقارة؛ لكيلا تتصادم تلك القوى الاستعمارية أثناء اغتصابها واحتلالها أجزاء من أفريقيا من قبل المحتلين البريطانيين، والفرنسيين، والألمان، والبلجيكيين، والبرتغاليين، والإيطاليين. تخيلوا معي للحظة واحدة فحسب بأن هؤلاء المحتلين من الجنس الأوروبي الأبيض العنصري، جلسوا على طاولة مستطيلة واحدة في عاصمة الجرمان، وبدعوة من أول مستشار ألماني وهو/ أوتو فون بسمارك، مؤسس ألمانيا الجديد، الذي وحدها بالحديد والنار في دولة واحدة؛ ليضعوا خارطة أفريقيا كلها أمامهم؛ كي يتقاسموها دون أن يعرف المواطنون الأفارقة البسطاء بأن هناك (أناساً) جشعين طامعين سفلة، ومن خلف البحار المتلاطمة يخططون؛ لتقاسم أراضيهم، وخيراتهم، ويخططون لإبادة، نعم أكررها، إبادة جزء من مواطنيهم دون حسيب أو رقيب.

وهنا لعلنا في قادم الأيام نجد فرصة زمنية مناسبة أخرى؛ كي نوثق حجم جرائم الأوروبيين البيض من خلال توثيق التصفيات والمذابح الجماعية للإنسان الأفريقي التي وصلت إلى عشرات الملايين من المواطنين الأفارقة الأحرار، ولنورد مثالاً واحداً عما صنعه المحتل الفرنسي البغيض في أرض الجزائر العربية الإسلامية التي تتضارب فيها الأرقام، والبيانات عن الشهداء والجرحى، والضحايا جراء مقاومة الثوار الجزائريين الأحرار للمحتل الفرنسي، فبعض البيانات تقول إن عدد الشهداء هو مليون شهيد، وأخرى تقول مليون ونصف المليون شهيد، وبيانات أخرى تقول إن عدد الشهداء قد وصل إلى عشرة ملايين شهيد جراء إجراء عددٍ من تجارب القنبلة الذرية في صحراء الجزائر، وهذا ما تسبب في استشهاد هذا العدد الهائل من أهلنا الجزائريين، هؤلاء الأفارقة من العرب والمسلمين، والمسيحيين واللادينيين قد ذهبوا ضحية لتشريد وقتل، بسبب جشع وطمع ورذيلة الأساليب الأوروبية الإجرامية البشعة وعصابات حكامهم المرضى.

أرض فلسطين المقدسة خضعت بسبب نهج وفكر المستعمر المحتل البريطاني العنصري البغيض، ومن خلال الوعد المشؤوم لوزير خارجية بريطانيا العظمى) المدعو/ أرثر جيمس بلفور، الذي وعد وأرسل برسالة موجهة لليهودي الصهيوني/ ليونيل روتشيلد، وهو أحد قادة الحركة الصهيونية، ومن كبار الرأسماليين البريطانيين، وصدر الوعد برسالة خطية بتأسيس وطن قومي موعود لليهود في أرض فلسطين بتاريخ 2 نوفمبر 1917م. تخيلوا معي للحظة واحدة بأن هذا الشخص الفاجر المارق/ بلفور، وبرسالة مكونة من 67 كلمة فقط يتم بموجبها، وإقرارها من قبل حكومة احتلالية استعمارية بريطانية مغتصبة محتلة لأرض فلسطين ليس لها أي حق قانوني، ولا أخلاقي، ولا دستوري، ولا إنساني، ولا ديني، بأن تتصرف بنقل ملكية أرض فلسطين المقدسة من أهلها الذين توارثوها لآلاف السنين، وبهذا القرار الظالم قد حرموا الملايين من أهلنا في فلسطين من أرضهم ووطنهم، وأملاكهم تحت حجج واهية كاذبة مخادعة أتوا بها من أضابير أكاذيب، وتدليسات الحركة الصهيونية العالمية المطعون في صحتها وصدقها وموثوقيتها.

ولأن محور المقاومة المكون من الجمهورية اليمنية من العاصمة/ صنعاء، ومن حماس والجهاد والشعبية في قطاع غزة، وفلسطين كلها، والمقاومة الإسلامية في لبنان، والمقاومة الجهادية في العراق وبدعم سياسي وأمني وعسكري ومالي لا محدود من القيادة الثورية الجهادية في الجمهورية الإسلامية في إيران، جميعهم صمدوا مع قطاع غزة، وأهلها المواطنين العزل، وقررت أمريكا العنصرية، وأوروبا الصهيونية، واليهود الصهاينة من الاعتداء الغاشم على إيران، وقيادتها الجهادية؛ مما أدى إلى استشهاد الآلاف من المواطنين، والجنود والقيادات الإيرانية، وفي مقدمتهم استشهاد الإمام/ علي الخامنئي، شهيد الأمة الإسلامية جمعاء، وكان هدف العدوان الأمريكي الأطلسي اليهودي الصهيوني هو إسقاط النظام الجهادي في إيران، ولكن ذلك العدوان قد فشل فشلاً ذريعاً.

حينما احتلت بريطانيا العظمى) جزيرة وقارة أستراليا، ووجدت أهل الأرض الأصليين من الجنس الأفريقي الأسود، قرروا إبادتهم، وتم ذلك، وتم إخفاء البيانات والإحصائيات الحقيقية من تلك المجازر الحقيقية التي ارتكبها الإنسان البريطاني الأبيض بحق أهل أستراليا الأصليين، والبقية القليلة الباقية منهم بنوا لهم مباني متواضعة، وتجمعات سكنية منعزلة وسط صحراء أستراليا، وتم عزل تلك التجمعات البشرية لأهل أستراليا الأصليين؛ ليكونوا نماذج لبشر متخلفين بدائيين يزورهم السياح الأجانب، وكذلك زيارة تجمعات شبابية أجنبية أوروبية، وأمريكية من الهواة الذين يبحثون عن الظواهر والأمثلة الغريبة من وجهة نظرهم، وزيارة الفرق العلمية والاجتماعية؛ لإجراء الدراسات العلمية عليهم لعلهم يكتشفون جيناتDNA خاصة بهؤلاء الأقوام قد تفيد في علاج طبي محدد. وللتذكير مرة أخرى بجرائم بريطانيا حينما احتلوا شبه الجزيرة الهندية المسلمة في العام 1757م عبر شركة الهند الشرقية البريطانية، كانت الهند تنتج إنتاجاً اجتماعياً إجمالياً عالمياً قدر بأزيد من ربع الإنتاج العالمي، هكذا كانت الهند غنية ووافرة الخيرات، وحينما أجبرت بريطانيا على مغادرة شبه القارة الهندية بتاريخ 15 أغسطس 1947م، قد بلغ الإنتاج الإجمالي للهند على مستوى العالم 0.1%، ليتخيل معي، ولو للحظة واحدة القارئ اللبيب، هذه النتيجة المؤلمة للاحتلال البريطاني القذر لشبه القارة الهندية المسلمة، وكيف كان النهب والسلب، والمرقة المباشرة بأن تحدث هذه الكارثة غير المسبوقة على معيشة وحياة الشعب الهندي الكبير.

وإذا عرجنا على ما هو الأثر المدمر لاحتلال ونهب خيرات أرض الصين العظيمة من قبل بريطانيا، وكيف أذلت واحتلت، ونُهبت خيرات الصين من قبل المحتل البريطاني والفرنسي والهولندي، وغيرهم، وكيف تم تدمير المجتمع الصيني من خلال نشر مادة “الأفيون” الذي هزّ، ودمر كيان المجتمع الصيني برُمَّتِهِ.

أَمَّا مُمارسات المحتل الهولندي ضد الشعوب الملاوية في إندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة فحدث ولا حرج، فقد تم نهب، وسلب، وسرقة الخيرات الطبيعية، والمنتجات الزراعية بأنواعها ونقلها إلى هولندا مباشرة.

أما لو استعرضنا جرائم النظام الأوروبي الأمريكي وحلف شمال الأطلسي في منطقتنا العربية الإسلامية منذ أن جندت أمريكا، وأجهزتها الاستخبارية معظم الحركات الإسلامية (السنية)، ومنهم حزب الإخوان المسلمين في العالم أجمع؛ لتجنيدهم، وتدريبهم، وتعليمهم فنون الجهاد والقتال لصالح المشروع الصهيوني في العالم) وتم بهم تأسيس جماعة الديانة الوهابية المنحرفة الشاذة، وتنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين، وهي فكرة أوروبية أمريكية يهودية صهيونية.

وللتذكير فحسب، فإنَّ/ محمد بن سلمان آل سعود ولي عهد والده الملك سلمان بن عبد العزيز قد ذكرها في واحدة من حواراته الصحفية مع صحيفة “أتلانتيك” الأمريكية، حيث قال: إن الأمريكان قالوا لنا شجعوا الديانة الوهابية المتطرفة وتنظيم القاعدة؛ لمحاربة الفكر الشيوعي العالمي يومذاك بقيادة الاتحاد السوفيتي، كما تم تأهيل عدد من الإرهابيين لقتال الدولة الشيوعية في أفغانستان يومذاك، وتم يومها حشد آلاف الشباب في معسكرات سرية، وعلنية للتدريب القتالي في الوطن العربي والإسلامي، وإرسالهم إلى أفغانستان عبر جمهورية باكستان الإسلامية؛ لقتال الشيوعيين في أفغانستان، وذهب الآلاف من الشباب ضحية تلك المحرقة، وكان التمويل المالي، واللوجستي لهذه الأعمال الإرهابية هي المملكة السعودية والخليجية.

ويتذكر معي القارئ اللبيب مكيدة تدمير مركز برجي التجارة العالميين” في مدينة نيويورك الأمريكية بهجمات 11 سبتمبر 2001م، وتم تحميل فعلها وتأثيرها مقاتلي تنظيم القاعدة برئاسة الشيخ/ أسامة بن محمد بن عوض بن لادن الحضرمي اليماني السعودي، ومن تلك اللحظات الرهيبة تم رسم مخطط إجرامي جهنمي صهيوني ضد العالم الإسلامي والعربي، وتم على إثرها غزو واحتلال أفغانستان في 7 أكتوبر 2001م، وبعدها تم غزو واحتلال جمهورية العراق في 20 مارس 2003م، وبعدها بعقد من الزمان تم تصميم وهندسة مشروع يهودي صهيوني غربي آخر سموه زوراً وبهتاناً (الربيع العربي)، وأدخلوا الوطن العربي في دوامة من تدمير البلدان والحكومات العربية المناهضة للمشروع الإسرائيلي الصهيوني في كل من الجمهورية العربية السورية، وجمهورية مصر العربية، والجمهورية التونسية، وجمهورية ليبيا العربية، والجمهورية اليمنية، وجميع هذه البلدان كان لها موقف إما معادٍ، وإما شبه معادٍ لكيان العدو الإسرائيلي، وشنت المملكة السعودية، ومشيخة أبو ظبي الإماراتية عدواناً على اليمن سموه “عاصفة الحزم” بتاريخ 26 مارس 2015م، وما زال هذا العدوان مستمراً حتى لحظة كتابتنا مقالتنا هذه.

وبالمناسبة لا توجد إحصائيات بعدد الشهداء، ولا عدد الضحايا جراء غزو أمريكا، وحلف شمال الأطلسي لجمهورية أفغانستان الإسلامية، ولا إحصائيات بغزو واحتلال جمهورية العراق، ولا بغزو الجمهورية العربية السورية، ولا ليبيا، ولا تونس، ولا مصر، ولا اليمن، وسنورد مثالاً واحداً هنا لتبيان حجم الخسارة التي لحقت بجمهورية العراق من استشهاد أطفال العراق في زمن الحصار الأمريكي الأوروبي العربي الإسلامي الصهيوني من العام 1990م – 2003م، سأل أحد الصحفيين وزيرة خارجية أمريكا/ مادلين أولبرايت، وهي من أصل يهودي صهيوني، وقال لها هناك ارتفاع ضخم في عدد الضحايا من أطفال العراق من جراء حصار أمريكا للعراق، وكانت إجابتها للجميع صادمة جداً جداً جداً، إذ قالت إن القضية تستحق الثمن، وبعد ذلك تم غزو واحتلال العراق بحجة كاذبة مفضوحة تقول إن جمهورية العراق تمتلك سلاحاً قاتلاً، ومحرماً دولياً.

وبعد سقوط النظام العربي العراقي، واستشهاد آلاف العراقيين، ومن القادة العسكريين والمدنيين، وإعدام صدام حسين في يوم عيد الأضحى المبارك، لم يعد أحد يتحدث عن تلك الجرائم التي حدثت لأهلنا بالعراق الشقيق، وكأن جريمة أمريكا المقترفة ضد عالمنا العربي مسموح حدوثها وتتناساها الأجيال، ونخشى أن ذاكرة الأمة العربية الإسلامية تتناسى، وتتغافل عن العدوان الأمريكي وبريطانيا، وكيان إسرائيل الصهيونية على اليمن وعاصمته صنعاء.

عدوان أمريكا حدث لمرتين، الأولى بقيادة الرئيس/ جو بايدن بتاريخ يناير 2024م، والأخرى بقيادة الرئيس/ دونالد ترامب بتاريخ مارس مايو 2025م، وتوقف العدوان الأمريكي بناءً على اتفاق موثق بين قيادة أنصار الله، والمجلس السياسي الأعلى في الجمهورية اليمنية/ صنعاء، وبين الإدارة الأمريكية وبوساطة الأشقاء في سلطنة عمان، أما إذا أخذنا العدوان الإسرائيلي الصهيوني المزود بأسلحة أجنبية على جمهورية لبنان، وتحديداً على المقاومة الإسلامية اللبنانية، فقد كانت جريمة مروعة استشهد في ضوئها آلاف الشهداء من المجاهدين الأحرار، والمدنيين اللبنانيين، وكان في طليعة الشهداء سماحة السيد الشهيد/ حسن نصر الله، الذي يُعد بمثابة أعظم مجاهد، وأكبر مقاوم في لبنان، والشام كلها، وفقدانه خسارة عظيمة لمحور المقاومة العربية الإسلامية في العالم الإسلامي برمته.

وإذا ما عرجنا على قطاع غزة بعد طوفان الأقصى المبارك، واستشهاد وجرح وفقدان مئات الآلاف من الفلسطينيين، وتجويع وتشريد 90% من بيوتهم، ومدنهم بسبب ما تعرضت له مباني ومنشآت القطاع في مشهد مخيف ومحزن وطيلة عامين كاملين ويزيد، كل تلك الجرائم غير الإنسانية مع ممارسة كيان العدة الصهيوني المذابح الجماعية، وظهورها إعلامياً في جميع وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، وقد كانت جرائم تشبه إلى حد بعيد تلك الجرائم التي مارسها الإنسان الأوروبي قبل ثلاثمائة عام، وما بعدها في جهات عدة من قارات العالم.

كيف تعاملت الطبقة السياسية الأوروبية والأمريكية المصابة بهوس، ومرض العنصرية المريضة والنازية الجديدة القاتلة مع قرارات القيادة الروسية الاتحادية بشأن حماية الروس الأوكرانيين، وكذلك حماية الأراضي الروسية من أية مظاهر عدائية قادمة من أوروبا الغربية، وحينما ردت الدولة الروسية بحزم وثقة على تلك الممارسات النازية للسلطات الأوكرانية النازية الجديدة، والتي انتهجت ممارسات وأساليب عنصرية نازية ضد مواطنيهم في شرق أوكرانيا المتحدثين باللغة الروسية، وربما هم من أصول روسية، أي أن السلطات الأوكرانية النازية قد تعاملت بقسوة، وشراسة، ونازية مع جميع الأوكرانيين الناطقين باللغة الروسية، والتي اعتبرتهم مواطنين من الدرجة الثانية وربما أقل؛ لأنهم يتمسكون في الحديث والتعليم بلغتهم الروسية.

الغريب بأن وسائل الإعلام الرسمية في أوروبا وأمريكا كانت تشجع الأوكرانيين الذين مارسوا تلك الممارسات النازية، والغريب في أمر الأوروبيين أنهم وقبل قرابة ثمانين عاماً فحسب قد اكتووا بنار النازية الألمانية، والفاشية الإيطالية وبضمنهم الأقليات اليهودية، والسلافية والعربية المسلمة، والأفريقية، ومع ذلك كأنهم قد نسوا تلك الجرائم النازية/ الفاشية في أقل من ثمانين عاماً، وقد أسس مفكرو الطبقة السياسية الأوروبية والأمريكية لقواعد إنسانية ثابتة، أبرزها تحريم العنصرية، وتحريم معاداة السامية، وفرض مبدأ التأخي العرقي والديني واللاديني، وفرض حرية الفرد في اختيار عقيدته ولغته ومذهبه وطبيعة معيشته، وصولاً إلى حرية الحيوانات والشواد من الجنسين وخلافه، لكن من تابع سير المذبحة الفلسطينية في قطاع غزة ومرتكبيها العنصريين الصهاينة، وكيف تعاطفت طبقة الإنتليجنسيا السياسية الأوروبية مع الصهاينة، وكأن من يتعرضون للذبح هم أناس من طينة أخرى غير بني البشر الأوروبيين!!!، وحينما تضامن جميع الساسة الحكام الأوروبيين، والأمريكان وبلدان حلف شمال الأطلسي مع الطبقة الشاذة من حكام أوكرانيا النازيين، والتغاضي عن تلك الجرائم البشعة التي مارستها بحق الأوكرانيين الناطقين باللغة الروسية.

يستغرب المراقبون، والمتابعون، وحتى المحايدون الذين يراقبون الأحداث بشيء من الاستغراب والدهشة والحيرة، ليقول البعض من هؤلاء المحايدين: كيف نقيس ونقيم كل ما تحدثتم عنه طيلة قرابة ثمانية عقود يا طبقة المثقفين، والسياسيين، والإعلاميين الأوروبيين لنتذكر معاً مقولة الفيلسوف المفكر الروائي الروسي/ فيودور دوستويفسكي قبل مائتي عام تقريباً، قال: ليذهب الإنسان الروسي إلى أوروبا الغربية؛ كي يُعامل كفلاح متسول، ولكنه إذا اتجه شرقاً نحو آسيا سيعامل كالأمراء والملوك.

نعم هذا قول ملهم لفيلسوف روسيا ومفكرها العظيم، ولنتذكر معاً فلسفة وفكر الفيلسوف الروسي الحي/ ألكسندر دوغين، حينما قال يجب أن تُبنى الثقافة والدولة الأوراسية القومية الحديثة المكونة من الاتحاد السوفيتي الروسي القديم، وتضم له عدداً من الدول الآسيوية؛ لتكون صخرة في مواجهة البلدان الرأسمالية الأوروبية الغربية ذات الفكر الليبرالي العنصري.

هذه الشخصية الروسية مهمة جداً في الفكر، وبناء الدولة الأوراسية القومية المقابلة للدولة الرأسمالية في غرب أوروبا العنصرية، وقد كنتُ أستمع لحوار شائق من مُفكّر روسي شاب، واسمه/ “بافل شيلين”، وهو يتحدث حول النزعة الشوفينية العنصرية للساسة الأوروبيين الغربيين تجاه الشعب الروسي، وقال بامتعاض شديد: لم يعد هنا في روسيا كلها من يصدق وعود وقرارات السياسيين الأوروبيين المتخذة بحق روسيا الاتحادية؛ لأنهم تحولوا هؤلاء الأوروبيون الغربيون والأمريكان إلى نازيين وعنصريين، لنتخيل، ولو للحظة، فإن هؤلاء الساسة الأوروبيين وفي لحظة واحدة اتخذوا قرارات المقاطعة، وهي الأكبر والأوسع في التاريخ الإنساني، ومارسوا مبدأ مصادرة الحقوق المالية والمادية للشعب الروسي، وهي بمليارات الدولارات عن طريق سرقتها وتأميمها، ومنعوا كل ما هو ناطق باللغة الروسية مع ترجماتها من كتب ومجلات وتراث أدبي روسي عظيم، له باع طويل في الأدب العالمي تجاوز في بعضها أزيد من 500 عام، وصحافة وإعلام وثقافة وتلفاز وإذاعات، والبعض قال إن روسيا وتراثها وثقافتها ما هي إلا عبارة عن سلة من البؤس والبؤساء.

تصوروا معي إلى هذا الحد وصلت الكراهية، والبغضاء والفوبيا من شيء اسمه روسي، والغريب أن الأوروبي الأبيض الملطخة يداه، وعقله بدماء الشعوب لا يعترف البتة بأن الجزء الأكبر من المجتمع والعرق الروسي هم من الجنس الأبيض المطرز، والمرصع بالجينات الآرية الفارسية القوقازية الجميلة، والجنس الروسي هو خليط من شعوب أوروبية، وآسيوية، وقوقازية وفارسية، أي أنهم من أحلى شعوب الأرض ولديهم جاذبية لافتة أكثر بكثير من العرق والجنس الأوروبي الأبيض الباهت العمل.

قادة القارة الأوروبية الغربية المتحضرة قد غزوا الأراضي الروسية مرتين، الأولى بقيادة القائد/ الفرنسي/ نابليون بونابرت، ووصلت قواته فعلاً إلى العاصمة الروسية موسكو، ولكنها انهزمت، والغزوة الأخرى بقيادة/ النازي/ الفوهرر أدولف هتلر الألماني النازي، وقد كادت أن تصل قواته إلى العاصمة موسكو، وقد كان الجنود النازيون الألمان يشاهدون أضواء قصور الكرملين، ولكنهم هزموا على يد القائد الشيوعي السوفيتي/ الرفيق جوزيف ستالين والجيش السوفيتي الأحمر.

ويسأل السائل المحايد في العالم أجمع، لماذا كل تلك الغزوات، وتلك الجحافل من الجنود والآليات المتجهة إلى روسيا تحديداً، هل من أجل نشر الثقافة الإنسانية لتعليمها الشعب الروسي؟ أو من أجل نشر تعاليم المفكرين الأوروبيين القدامى والجدد/ أمثال سقراط، أفلاطون، فيثاغورس وأرسطو، رينيه ديكارت، فولتير، سبينوزا، إيمانويل كانط، جون لوك، سان سيمون، فريدريك نيتشه، أم من أجل مواصلة النهب والسرقة، والسيطرة على مقدرات الأمة الروسية ذات التاريخ العريق، وتأتي ثالثة الأثافي كما يقول العرب هو في عدوان دول حلف شمال الأطلسي على روسيا الاتحادية ولكن على الأرض الأوكرانية، وهي ثالث غزوة، وهذه المرة بقيادة الرئيس الأمريكي/ جو بايدن، وبقية الساسة الأوروبيين.

الخلاصة:

حينما استعرضنا بالتفصيل الممل ممارسات، وسلوك، وتصرفات القادة السياسيين الأوروبيين، والعديد من المثقفين الأوروبيين، لاحظنا بأنهم ما زالوا مصابين بمرض العنصرية الشوفينية، ومدمنين على ممارسة السلوك النازي، والفاشي الموروث لديهم أباً عن جد، وظهر ذلك جلياً وبوضوح شديد من خلال تضامنهم المطلق مع تلك المجازر الجماعية، والتجويع الجماعي الذي تعرض له الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحاصرة، ومن قبل العصابات اليهودية الصهيونية لكيان العدوّ الإسرائيلي.

“وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أ.د.عبدالعزيز بن حبتور

القوات اليمنية تعلن استهداف ناقلة نفط سعودية قبالة ينبع واستهدف تحشيدات عسكرية محملة رتلاً عسكرياً في العبر والوديعة وتحشيدات في منطقة الكنايس

أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ ثلاث عمليات عسكرية جديدة ضد أهداف سعودية بحرية وبرية، في تصعيد جديد ضمن معادلة “الحصار بالحصار” واستهداف التحشيدات العسكرية المرتبطة بالرياض.

وقالت القوات المسلحة في بيان صدر اليوم الاثنين إنها استهدفت السفينة النفطية “أمزان” التابعة للسعودية شمالي البحر الأحمر قبالة سواحل ينبع بصاروخ باليستي، مؤكدة أن الإصابة كانت دقيقة ومباشرة وأدت إلى اندلاع حريق في السفينة.

وأضاف البيان أن الاستهداف أدى كذلك إلى مغادرة عدد من السفن الأخرى التي كانت موجودة في منطقة العملية، معتبراً أن الضربة تأتي في إطار تنفيذ قرار حظر الملاحة البحرية على السفن السعودية ضمن منطقة العمليات المعلنة.

ويمثل استهداف ناقلة نفط قبالة ينبع تطوراً لافتاً في مسار المواجهة البحرية، خصوصاً أن المنطقة تمثل إحدى أهم نقاط تصدير النفط السعودي على البحر الأحمر، في وقت تواجه فيه الرياض ضغوطاً متزايدة على مسارات شحن الخام نتيجة العمليات اليمنية.

وفي العملية الثانية، أعلنت القوات المسلحة استهداف رتل عسكري سعودي كبير محمل بالعتاد في منطقتي العبر والوديعة بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

وبحسب البيان، أسفرت العملية عن إحراق وتدمير أكثر من عشر شاحنات محملة بالأسلحة، قالت القوات المسلحة إنها كانت قادمة من الأراضي السعودية باتجاه الداخل اليمني.

أما العملية الثالثة فاستهدفت تحشيدات سعودية في منطقة الكنايس بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، وقال البيان إنها أسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، بينهم قادة وضباط، إضافة إلى إحراق وتدمير عدد من مخازن الأسلحة. وتبقى هذه الحصيلة منسوبة إلى البيان العسكري اليمني.

وأكدت القوات المسلحة استمرارها في فرض الحظر البحري على السعودية وتنفيذ معادلة “الحصار بالحصار”، وربطت استمرار العمليات بحجم التصعيد السعودي، مشددة على أن “التصعيد الشامل سيُقابل بالتصعيد الشامل”.

كما أكدت استعدادها للرد على أي تصعيد جديد بـ “ضربات أقوى وأشد وعمليات أوسع وأكبر”، في رسالة مباشرة إلى الرياض بأن العمليات لن تبقى محصورة في نطاق جغرافي أو عسكري واحد إذا توسعت المواجهة.

وفي ختام البيان، هنأت القوات المسلحة الشعب اليمني والأمة العربية والإسلامية بمناسبة المولد النبوي الشريف، ودعت أبناء الشعب إلى الخروج الواسع في الساحات المحددة يوم غد لإحياء المناسبة.

وتكشف العمليات الثلاث عن توسيع متزامن لضغط صنعاء على الرياض عبر البحر الأحمر، وخطوط الإمداد البرية، ومواقع التحشيد داخل اليمن، بما يرسخ معادلة عسكرية متعددة المسارات هدفها، وفق خطاب القوات المسلحة، رفع كلفة استمرار الحصار والتصعيد السعودي.

صنعاء والمحافظات تدخل الساعات الأخيرة قبل المولد النبوي.. 17 ألف منظم في السبعين واستنفار صحي واسع وألعاب نارية عند الثامنة مساءً

دخلت العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية المرحلة الأخيرة من الاستعدادات لإحياء ذكرى المولد النبوي الشريف 1448هـ، وسط تجهيزات تنظيمية وأمنية وصحية وخدمية واسعة، بالتزامن مع توقعات بحضور جماهيري كبير إلى الساحات المركزية وفي مقدمتها ميدان السبعين في العاصمة.

وقال عضو اللجنة المركزية للمناسبات هادي عمار إن عدد الكوادر التنظيمية المشاركة في ميدان السبعين يقترب من 17 ألف كادر تنظيمي، إلى جانب أعداد كبيرة من الكوادر النسائية المخصصة لتنظيم فعالية النساء، في مؤشر على حجم الاستعدادات المرتبطة بتوقع تدفق حشود واسعة إلى العاصمة.

وتشمل ترتيبات صنعاء ميدان السبعين كساحة مركزية للرجال، وساحة الكلية الحربية للنساء، إلى جانب مواقع إضافية جرى إعدادها لاستقبال الوافدين وتنظيم حركة الدخول والخروج. وتقدر مساحة الساحة المركزية، وفق اللجنة المنظمة، بنحو 3 كيلومترات طولاً وكيلومترين عرضاً، بما يسمح بتوزيع الحشود وفق خطط تنظيمية مسبقة.

وتعمل اللجان التنظيمية والأمنية والصحية والإعلامية والفنية والخدمية ضمن خطة متكاملة تبدأ من استقبال المشاركين على مداخل العاصمة وتنظيم مسارات وصولهم، مروراً بتوزيعهم داخل الساحات، وانتهاءً بإدارة المغادرة بعد انتهاء الفعالية. كما شملت التحضيرات أعمال النظافة والطلاء والصيانة وتهيئة الطرق والأنفاق ومجاري السيول المحيطة بمواقع الاحتشاد.

ولم تقتصر حالة الاستنفار على صنعاء، إذ أعلنت صعدة اكتمال تجهيز ساحة الرسول الأعظم والساحة النسائية بنسبة 100%، مع نشر الكوادر الأمنية والصحية والتنظيمية، والاستعداد لاستقبال مواكب قادمة من المديريات الحدودية والمناطق البعيدة. كما شهدت المحافظة خلال الأيام الماضية مسيرات ضوئية للسيارات وفعاليات وأمسيات متفرقة في عدد واسع من المديريات.

وفي حجة، جرى تجهيز ثلاث ساحات رئيسية إلى جانب الساحة النسائية، وبلغت جاهزية الساحة المركزية نحو 90%، مع انتشار اللجان الأمنية والصحية والإعلامية والخدمية والاستعداد لاستقبال الوافدين من المديريات المجاورة وتهامة وشرفين.

أما ذمار، فاستكملت تجهيز ثلاث ساحات، بينها الساحة المركزية بنسبة جاهزية تقارب 95%، إلى جانب ساحة النساء وساحة مخصصة لقبائل وصابين. وخصصت المحافظة 6 آلاف عنصر تنظيمي و4 آلاف عنصر أمني و1500 كادر صحي وأربع مستشفيات ميدانية، إضافة إلى سيارات الإسعاف وخطوط السير البديلة لتنظيم حركة المواطنين والمسافرين.

وفي ريمة، وصلت جاهزية ساحة الرسول الأعظم في الجبين إلى نحو 80%، وبدأت طلائع المشاركين بالتوافد من المناطق والوديان البعيدة، فيما اكتست المدينة بالزينة والإضاءات الخضراء بعد أسابيع من الفعاليات والندوات والأمسيات المرتبطة بالمناسبة.

كما استكملت الجوف تجهيز ساحة الرسول الأعظم في الحزم بالزينة الخضراء والترتيبات الأمنية والصحية والخدمية، بينما تواصلت أنشطة اللجان في مديريات المحافظة وصولاً إلى خب والشعف وبرط العنان والمناطق الصحراوية والحدودية.

وفي الحديدة، استمرت الترتيبات الأمنية والصحية والفنية في ساحة العروض بمدينة الحديدة، مع تجهيز مرشات مائية لتلطيف الأجواء ونشر الكوادر الصحية، إضافة إلى تجهيز ساحة الحسينية لاستقبال الوافدين من المديريات الجنوبية.

وفي الضالع، تواصلت الاستعدادات في دمت وقَعطبة والحشا، مع تجهيز الساحات وتنظيم الفعاليات الثقافية والمسيرات الضوئية للسيارات المزينة بالألوان الخضراء، ضمن مشهد احتفالي امتد إلى المدن والقرى والمنازل.

وعلى المستوى الصحي، أعلنت وزارة الصحة والبيئة رفع حالة الجاهزية الطبية، مؤكدة تجهيز 7841 كادراً طبياً في ميدان السبعين وساحة الكلية الحربية للعمل على مدار الساعة وخدمة المشاركين.

كما أعلنت الوزارة تجهيز 141 سيارة إسعاف موزعة على مداخل ومنافذ الساحات في صنعاء والمحافظات، إضافة إلى 207 سيارات على الطرق الرئيسية التي سيمر عبرها المشاركون، إلى جانب 85 مخيماً طبياً و30 مستشفى ميدانياً للتعامل مع أي حالات طارئة.

وتأتي هذه الجاهزية الصحية بالتوازي مع انتشار فرق الخدمات والتنظيم والاستقبال والإعلام والفنون، في واحدة من أوسع عمليات التحضير التي ترافق المناسبة، خصوصاً مع انتقال الاحتفالات خلال الأسابيع الماضية إلى المدارس والجامعات والمساجد والأحياء والحارات والمديريات وانتشار الزينة والإضاءات الخضراء على نطاق واسع.

وفي إطار الأجواء الاحتفالية المصاحبة للمناسبة، أعلنت اللجنة المنظمة أن الساعة الـ8:00 من مساء اليوم الاثنين ستكون موعداً لبدء إطلاق الألعاب النارية ابتهاجاً بذكرى المولد النبوي الشريف، في مشهد من المنتظر أن يضيف بعداً بصرياً واسعاً للاحتفالات التي سبقت الفعالية الجماهيرية المركزية.

وبذلك تدخل صنعاء والمحافظات الساعات الأخيرة قبل المناسبة وسط حالة استنفار تنظيمي وصحي وخدمي واسع: عشرات الآلاف من الكوادر، ساحات رئيسية وفرعية، مستشفيات ومخيمات طبية، مئات سيارات الإسعاف، ومسارات خاصة لتنظيم وصول الحشود، بالتوازي مع الزينة الخضراء والمسيرات الضوئية والألعاب النارية، في استعدادات تستهدف تحويل يوم المولد إلى أكبر مشهد جماهيري واحتفالي تشهده البلاد خلال الموسم الحالي.

عدن تغرق في أزمة الغاز.. طوابير تمتد كيلومترين والانتظار يصل إلى 15 يوماً

تعيش مدينة عدن أزمة خانقة في الغاز المنزلي ووقود المركبات، وسط انقطاع متكرر للإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار، ما دفع المواطنين وسائقي الحافلات إلى قضاء ساعات وأيام طويلة أمام محطات التعبئة بحثاً عن أسطوانة غاز أو كمية تكفي لتشغيل مركباتهم.

ونشر ناشطون صوراً لطوابير طويلة أمام محطات الغاز، قالوا إن بعضها امتد إلى نحو كيلومترين، فيما وصلت مدة الانتظار في بعض الحالات إلى 15 يوماً للحصول على أسطوانة، في مشهد يعكس حجم الاختناق الذي وصلت إليه الأزمة.

وتسببت الأزمة في شلل جزئي لحركة المواصلات داخل المدينة، بعدما توقفت عشرات المركبات وحافلات النقل الداخلي عن العمل مع إغلاق عدد من محطات التعبئة أبوابها، ما ترك آلاف السكان عالقين لساعات طويلة في الشوارع والمواقف.

وقالت مصادر محلية إن الأزمة لم تعد مجرد نقص في مادة الغاز، بل تحولت إلى أزمة معيشية يومية تطال حركة الناس وأعمالهم ودراستهم وأسعار النقل والخدمات، مع ارتفاع كلفة المواصلات وتراجع القدرة على التنقل بين أحياء المدينة.

ويكشف استمرار الأزمة عن عمق الانهيار الخدمي والإداري في عدن، خصوصاً أن المدينة تعاني في الوقت نفسه من أزمات متراكمة في الكهرباء والمياه والوقود والرواتب، ما يضاعف الضغط على السكان ويغذي حالة الاستياء الشعبي.

وفي المحصلة، تحولت أزمة الغاز في عدن إلى صورة مكثفة للانهيار الخدمي في المدينة: طوابير تمتد كيلومترات، انتظار يصل إلى أسبوعين، مركبات متوقفة، ومواطنون يدفعون كلفة أزمة باتت تمس أبسط تفاصيل حياتهم اليومية.

اشتعال ناقلة نفط غرب ينبع قبيل بيان عسكري لصنعاء.. حادث بحري جديد يرفع منسوب الترقب في البحر الأحمر

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية “UKMTO” تلقي بلاغ عن حادث بحري وقع على بعد نحو 63 ميلاً بحرياً غرب مدينة ينبع السعودية، في تطور جديد يلفت الأنظار مجدداً إلى المنطقة التي أصبحت خلال الأسابيع الأخيرة إحدى أكثر نقاط الملاحة حساسية في البحر الأحمر.

وبحسب المعلومات الأولية، تعرضت ناقلة نفط لمقذوف مجهول أثناء إبحارها غرب ينبع، ما أدى إلى اندلاع حريق على متنها، من دون تسجيل إصابات بين أفراد الطاقم حتى الآن.

وتكتسب الواقعة أهمية مضاعفة بسبب موقعها قبالة ينبع، أحد أهم مراكز تصدير النفط السعودي على البحر الأحمر، والذي بات يمثل شرياناً بالغ الحساسية للرياض مع تصاعد المخاطر على طرق الطاقة البحرية.

ويأتي الحادث في توقيت لافت بالتزامن مع إعلان المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع عن بيان عسكري مرتقب للإعلان عن عدد من العمليات العسكرية، إلا أنه لم يصدر حتى اللحظة ما يربط رسمياً حادث الناقلة بالعمليات اليمنية المنتظر الإعلان عنها.

وفي حال تضمن البيان اليمني تبني العملية أو الكشف عن استهداف بحري في محيط ينبع، فسيشكل ذلك تطوراً جديداً في معادلة “الحصار بالحصار” التي أعلنتها صنعاء ضد السعودية، خصوصاً مع تزايد الضغوط على السفن المرتبطة بالصادرات النفطية السعودية.

وتأتي الواقعة أيضاً وسط تقارير دولية تحدثت خلال الأيام الماضية عن ابتعاد عدد من ناقلات النفط عن باب المندب وتغيير مساراتها أو إعادة تنظيم عمليات تحميل الخام السعودي نتيجة ارتفاع المخاطر والكلفة اللوجستية في البحر الأحمر.

من بحرٍ أخضر في اليمن إلى جبال الطعام ومآذن الشموع.. أغرب وأجمل تقاليد العالم في الاحتفال بالمولد النبوي

في الوقت الذي يجمع فيه المولد النبوي الشريف المسلمين على محبة الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيم سيرته والفرح بمولده، تمنح كل أمة هذه المناسبة شيئاً من روحها وتراثها، فتتحول الذكرى من بلد إلى آخر إلى لوحات مختلفة؛ هنا مدن كاملة تكتسي بالأخضر، وهناك جبال من الطعام، ومآذن مصنوعة من الشموع، وعرائس من السكر، وأطباق لا تظهر إلا في ليلة المولد.

اليمن: مدن تكتسي بالأخضر وحشود تملأ الساحات

في اليمن، وخصوصاً في صنعاء وعدد واسع من المحافظات، يتحول موسم المولد النبوي خلال الأسابيع السابقة للذكرى إلى حالة شعبية واسعة تمتد من المنازل والمساجد إلى الشوارع والأسواق والسيارات. وتكتسي العاصمة ليلاً باللون الأخضر، حيث تُضاء المساجد والمآذن والواجهات والمحال والمركبات، وتنتشر الرايات واللافتات المرتبطة بالمناسبة.

ومن أكثر المشاهد خصوصية مواكب السيارات المزينة بسلاسل الإضاءة الخضراء، إلى جانب المجالس والفعاليات الإنشادية والمدائح النبوية والموشحات اليمنية. وفي يوم المناسبة تتدفق الحشود من المديريات والمحافظات إلى ساحات مركزية كبيرة، بينها ميدان السبعين في صنعاء، حاملة الأعلام الخضراء وشعارات الاحتفاء بالمولد.

ويمتزج الاحتفال اليمني كذلك بالموروث الإنشادي الغني، فتصدح الموشحات والصلوات والمدائح النبوية في المساجد والمجالس والساحات، لتصبح المناسبة مشهداً جماهيرياً وثقافياً ودينياً واسعاً يمتد على مستوى المدينة لا داخل المسجد وحده.

السنغال: ليلة “الجامو” التي لا تنام فيها المدينة

في مدينة تيفاوان السنغالية، يعرف الاحتفال بالمولد البنوي باسم “الجامو” (Gamou)، وتتحول المدينة إلى مقصد لمئات الآلاف من الزوار. تمتلئ المساجد والمنازل والساحات بالوافدين، وتستمر حلقات الذكر والمدائح حتى الفجر، بينما تجهز كميات ضخمة من الطعام لإكرام القادمين.

ويمثل “الجامو” بالنسبة للسنغاليين أكثر من احتفال عابر؛ فهو موسم اجتماعي وديني واسع تتحول خلاله المدينة إلى ملتقى للصوفية والمدائح والتقاليد الأفريقية المحلية.

إندونيسيا: صراع ودي على “جبال الطعام”

أما جزيرة جاوة الإندونيسية فتقدم واحداً من أغرب مشاهد الإحتفال بالمولد النبوي عبر مهرجان “سيكاتين” (Sekaten)، حيث تُشيّد هياكل هرمية ضخمة تسمى “غونونغان” (Gunungan)، أي “الجبال”، وتغطى بالأرز والخضراوات والفواكه والبيض وغيرها من المنتجات.

وتُحمل “جبال الطعام” في موكب نحو المسجد الكبير في يوجياكارتا، وبعد انتهاء المراسم يتسابق الناس للحصول على أجزاء منها اعتقاداً بأنها تحمل البركة، في مشهد يحول الطعام نفسه إلى عنصر مركزي في المهرجان الشعبي للمولد.

المغرب: مآذن عملاقة من الشموع تجوب سلا

وفي مدينة سلا المغربية يحضر واحد من أكثر تقاليد الإحتفال المولد النبوي جمالاً، وهو “موكب الشموع” الذي تعود جذوره إلى قرون مضت.

ولا يحمل المشاركون شموعاً تقليدية فقط، بل هياكل خشبية ضخمة مزينة بآلاف القطع الشمعية الملونة، تُصمم على هيئة مآذن وقباب وأشكال هندسية دقيقة، ويحملها المشاركون في موكب يجوب المدينة القديمة على وقع الموسيقى الأندلسية والأهازيج والمدائح.

مصر: العروس والحصان المصنوعان من السكر

وفي مصر، يصعب تخيل المولد النبوي من دون “عروسة المولد” و”حصان المولد”. فقد ارتبطت المناسبة منذ قرون بصناعة تماثيل من السكر؛ عروس مزينة للفتيات وحصان يمتطيه فارس للصبيان، إلى جانب السمسمية والحمصية والفولية وغيرها من الحلويات الموسمية. وتشير المصادر إلى ارتباط الشكل المعروف لهذه التقاليد بالعصر الفاطمي، وإن اختلفت الروايات بشأن أصل العروس تحديداً.

وبذلك أصبح للمولد في الذاكرة المصرية طعم وصورة خاصة؛ فالحلوى ليست مجرد طعام، بل جزء من التراث الذي ينتظره الأطفال والأسر كل عام.

تونس: “عصيدة الزقوقو”.. طعام المجاعة الذي أصبح حلوى المولد الفاخرة

أما تونس فلديها قصة أكثر غرابة مع الإحتفال بالمولد النبوي؛ إذ ترتبط المناسبة بطبق “عصيدة الزقوقو” المصنوع من بذور الصنوبر الحلبي، وتغطى العصيدة بطبقة من الكريمة ثم تزين بالفستق واللوز والبندق في رسوم وأشكال دقيقة.

واللافت أن هذا الطبق ارتبط تاريخياً بمجاعة شهدتها تونس في القرن التاسع عشر، عندما استُخدمت بذور الصنوبر الحلبي مصدراً للغذاء، ثم انتقل بمرور الزمن من طعام الضرورة إلى واحدة من أشهر وأفخم حلويات المولد التونسية. كما تتبادل العائلات الصحون المزينة بين الأقارب والجيران.

كشمير: آلاف يتوافدون لرؤية أثر منسوب للنبي

وفي كشمير، يأخذ الاحتفال بالمولد النبوي بعداً روحياً شديد الخصوصية في مسجد حضرة بل بمدينة سريناغار، حيث يحتفظ المسجد بأثر يعتقد المسلمون المحليون أنه شعرة من شعر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

وفي مناسبات دينية محددة، يتوافد الآلاف إلى المسجد لمشاهدة الأثر والصلاة وإحياء المناسبة، لتصبح زيارة حضرة بل أحد أكثر المشاهد الدينية تميزاً في كشمير.

باكستان: مدن تتحول إلى بحار من الضوء

وفي باكستان، تبدو ليلة المولد النبوي وكأنها مهرجان ضوئي مفتوح؛ فتغطي سلاسل الأنوار المساجد والأضرحة والشوارع والأسواق والمباني، وتطغى الألوان الخضراء على أحياء كاملة.

وتجوب المواكب الشوارع وسط المدائح والأناشيد، وتقام مجالس السيرة وإطعام الناس وتوزيع الحلوى، بينما تتنافس بعض المناطق في زخرفة المساجد والواجهات، حتى تتحول المدن ليلاً إلى مشهد ضوئي ضخم.

إثيوبيا: “الحضرة الهررية” والوجد الصوفي

وفي مدينة هرر التاريخية شرقي إثيوبيا، يحمل المولد النبوي نكهة أفريقية واضحة من خلال ما يعرف بـ “الحضرة الهررية”، حيث يجتمع المريدون والشيوخ في حلقات للذكر والمدائح، مرتدين الملابس التقليدية البيضاء والأوشحة الملونة.

وتصاحب الحلقات إيقاعات الدفوف والحركات الجماعية، فيما تُقدم القهوة الإثيوبية وغيرها من مظاهر الضيافة المحلية، فتختلط الثقافة الهررية الأفريقية بالإنشاد الصوفي وحلقات الذكر حتى ساعات متأخرة.

مناسبة واحدة.. وتسع لغات للفرح

وهكذا، فمن اليمن الذي يحول مدنه إلى بحر أخضر من الأنوار والحشود، والسنغال التي تسهر في “الجامو”، وإندونيسيا التي تبني جبالاً من الطعام، والمغرب الذي يصنع مآذن من الشموع، ومصر التي تنحت العروس والحصان من السكر، وتونس التي تزين “الزقوقو”، وكشمير التي تتوافد لرؤية الأثر النبوي، وباكستان التي تغرق مدنها بالأنوار، وصولاً إلى الحضرة الهررية في إثيوبيا، تختلف التفاصيل ويبقى جوهر المناسبة واحداً.

فالمولد النبوي لم يتحول عبر القرون إلى قالب احتفالي واحد، وإنما أصبح مساحة واسعة تعبّر من خلالها الشعوب عن محبتها للرسول بطريقتها، وتمزج فيها الدين بالتراث والذاكرة والهوية المحلية، حتى أصبحت لكل بلد حكايته الخاصة في استقبال ذكرى مولد خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وآله وسلم.