ذات صلة

الأكثر مشاهدة

الحظر اليمني يخنق السعودية.. تعطل الموانئ وإلغاء جماعي لرحلات الشحن

سجلت الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر تراجعاً ملحوظاً...

إيران تشدد قبضتها على مضيق هرمز.. منع 30 سفينة مخالفة واستهداف ناقلة نفط قرب الممر

أفادت وكالة مهر الإيرانية، اليوم الأحد، بأن القوات المسلحة...

غزة بعد الهدنة.. سلام الجوع والموت البطيء تحت أنقاض الحصار الإسرائيلي

في اليوم السابع والعشرين لاتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تواصل آلة الاحتلال الإسرائيلي خرق الهدنة المزعومة عبر تنفيذ غارات جوية وقصف مدفعي مكثف وعمليات نسف شرق مدينتي خان يونس وغزة. وأفادت مصادر طبية باستشهاد مواطن فلسطيني كان يجمع الحطب برصاص قوات الاحتلال شرق مخيم البريج، في تأكيدٍ جديد على أن ما يُسمى “وقف النار” لم يوقف شلال الدم ولا آلة القتل الإسرائيلية.

سياسيًا، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن “نهاية الحرب في غزة أصبحت جدّية”، مشددًا على أن اتفاق الهدنة ليس هشًّا، بالتزامن مع تحركات دبلوماسية أمريكية لتمرير مشروع قرار حول خطة ترامب للسلام في مجلس الأمن. في المقابل، تواصل الدعوات الدولية لتخفيف المعاناة الإنسانية في القطاع، حيث طالبت وزيرة الهجرة الإسبانية إلما سيز المجتمع الدولي بالتحرك لتأمين المساعدات ورفع القيود المفروضة على غزة.

لكن على الأرض، الهدنة لم تُنهِ المأساة، إذ يعيش آلاف النازحين بلا مأوى في خيام مهترئة، ويواجه أكثر من مليون شخص تحت خط الفقر واقعًا إنسانيًا كارثيًا مع انقطاع الكهرباء، وتراجع ضخ المياه، ونقص الأدوية والغذاء. وتشير تقارير “الأونروا” إلى أن 93% من الخيام غير صالحة للسكن، فيما يُمنع دخول المستلزمات الشتوية، ليبقى شتاء غزة مرحلة جديدة من البرد والجوع والمعاناة.

مقابر تحت الركام

كشفت اللجنة الوطنية لشؤون المفقودين أن أكثر من 10 آلاف شهيد لا يزالون مدفونين تحت الأنقاض منذ بدء العدوان الإسرائيلي في أكتوبر/تشرين الأول 2023، محذّرة من أن غزة تحولت إلى “أكبر تجمع للمقابر في العالم”. وأوضح المتحدث باسم اللجنة، علاء الدين العكلوك، أن آلاف الفلسطينيين دُفنوا تحت منازلهم التي تحوّلت إلى مقابر جماعية بلا كرامة ولا قبور، في ظل صمت دولي مطبق وتخاذل أممي غير مسبوق.

وانتقدت اللجنة ازدواجية المعايير في تعامل المنظمات الدولية مع جثامين الضحايا الفلسطينيين مقابل اهتمام مفرط بجثث الجنود الإسرائيليين، ووصفت ذلك بـ”التمييز الفاضح والتحيز اللاإنساني”. وطالبت السلطة الفلسطينية والمجتمع الدولي بإدخال فرق متخصصة ومعدات انتشال، وإجراء تحليل الحمض النووي لتحديد هويات الضحايا، وبدء عملية إعادة الإعمار ورفع الركام فورًا.

هندسة التجويع.. الاحتلال يدير السوق بالمساعدات

منذ إعلان الهدنة، دخل الاحتلال مرحلة جديدة من حربه ضد غزة، تقوم على “هندسة التجويع” بدل القصف المباشر. فبدل رفع الحصار، أعاد الاحتلال تشكيل آليات السيطرة من خلال التحكم الكامل في دخول المساعدات، وإدارة السوق عبر التجار المقرّبين، واحتكار المواد الأساسية، في ما يسميه خبراء “الإخضاع الناعم”.

فبحسب التقارير، دخلت غزة بين 10 و31 أكتوبر/تشرين الأول نحو 3203 شاحنات فقط، أي أقل من ربع الكمية المفترضة، بينما سمح الاحتلال بدخول 10% فقط من الوقود المطلوب. وقد فرض موزعين محددين للغاز والمواد الأساسية، مما أنعش السوق السوداء وأدى إلى ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية.

وتشير تقارير أممية إلى أن ما يدخل من الطحين والزيوت والسكر لا يغطي سوى ثلث احتياجات غزة الشهرية، فيما تحولت المساعدات إلى أداة ضبط سياسي واجتماعي تخضع لخرائط السيطرة الإسرائيلية وتخدم أجندة الاحتلال. وباتت المنظمات الدولية تعمل تحت إشراف مباشر من الجيش الإسرائيلي، في ظل استبعاد الأونروا وتجميد تراخيص المنظمات المستقلة.

اقتصاد الحصار.. الاحتلال يعيد تشكيل غزة

أظهرت تقارير الأمم المتحدة أن المنظومة الاقتصادية في غزة انهارت بالكامل بعد تدمير 82.8% من البنية الزراعية والصناعية، وأن أقل من 5% من الأراضي الزراعية بقيت صالحة للاستعمال. ومع تدمير مصادر الإنتاج، نشأت طبقة جديدة من تجّار الحرب والوسطاء المرتبطين بشبكات التمويل الإسرائيلية والإقليمية، ضمن ما يسمى “اقتصاد الفوضى” الذي حوّل المساعدات إلى تجارة مربحة.

وأكدت منظمة العفو الدولية أن الاحتلال حول الاحتياجات الإنسانية إلى أداة استثمار وضغط سياسي، بينما تحدثت وكالة أسوشيتد برس عن عمولات تصل إلى 40% على النقد المتداول بسبب منع إدخال السيولة النقدية. وبذلك، أعاد الاحتلال صياغة الاقتصاد المحلي ليصبح تابعًا ومراقَبًا بالكامل، يحكمه نظام التحكم بالمساعدات لا بالإنتاج.

إدامة الفوضى والسيطرة

تُظهر الوقائع أن الاحتلال لا يسعى إلى تهدئة حقيقية، بل إلى إدامة حالة الفوضى المنظمة في غزة. فقد تم حصر دخول المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم، وإجبار الشاحنات على المرور عبر مناطق مكتظة بالنازحين مما يؤدي إلى عمليات نهب متكررة، بينما تُمنع الشرطة المحلية من مرافقة قوافل المساعدات. في الوقت نفسه، فرض الاحتلال قيودًا جديدة على تسجيل المنظمات الدولية، ورفض 99 طلبًا لإدخال مساعدات خلال أول 12 يومًا من الهدنة.

ويرى الباحث الاقتصادي محمد أبو جياب أن الاحتلال يستخدم المساعدات كسلاح لإخضاع السكان عبر تحديد مكونات الطرود الغذائية، وتغيير مسارات الشحن، والتلاعب بحجم الشاحنات المعلن، في إطار سياسة “التجويع بالقطارة”. أما الخبير نائل عبد الهادي، فيؤكد أن حكومة نتنياهو تسعى إلى خلق بيئة طاردة داخل القطاع عبر تدمير مقومات الحياة، ودفع الفلسطينيين نحو التهجير الطوعي تحت ضغط الجوع والبرد والفوضى.

خلاصة المشهد

تُظهر التطورات الميدانية والإنسانية أن ما بعد الحرب لم يكن سلامًا بل فصلًا جديدًا من الإبادة الهادئة. فالاحتلال، وإن خفف القصف، استبدله بخنقٍ اقتصادي وتجويعٍ منظم، لتتحول غزة إلى معسكر احتجاز مفتوح يُدار بالمساعدات ويُخنق بالقيود. وبينما يحتفل العالم بـ“وقف إطلاق النار”، يعيش أكثر من مليوني إنسان في القطاع تحت أنقاض الدمار، وفي قبضة الجوع، وتحت رحمة حصارٍ يلبس قناع الهدنة.

spot_imgspot_img