تشهد الضفة الغربية والقدس المحتلة تصعيداً ميدانياً خطيراً في ظل حملة ممنهجة للاحتلال الإسرائيلي تتضمن عمليات هدم واعتقالات واقتحامات متزامنة مع اعتداءات عنيفة نفذها المستوطنون بحق ممتلكات الفلسطينيين، في مشهد يعكس استمرار سياسة العقاب الجماعي ومحاولات فرض واقع أمني جديد على الأرض.
ففي بلدة بدّو شمال غربي القدس المحتلة، شرعت قوات الاحتلال صباح اليوم الأربعاء بعمليات هدمٍ واسعةٍ تستهدف منازل الفلسطينيين بحجة عدم الترخيص، في إطار سياسة تهويدٍ ممنهجة تستهدف تفريغ المدينة من سكانها الأصليين وتوسيع المستوطنات المحيطة بها.
وفي رام الله، أقدم مستوطنون متطرفون على إحراق مركبات فلسطينية وخطّ شعارات عنصرية في قرية عين يبرود شمال شرق المدينة، ضمن سلسلة هجمات إرهابية متكررة ينفذها المستوطنون تحت حماية جيش الاحتلال، ما أدى إلى موجة غضبٍ شعبي واستنفارٍ ميداني.
أما في نابلس، فقد نفذت قوات الاحتلال حملة اقتحامات واعتقالات واسعة طالت عدداً من المواطنين، بينهم مسنّ يبلغ من العمر سبعين عاماً، بعد مداهمة منازلهم والاعتداء عليهم بالضرب، فيما سلّمت مخابرات الاحتلال استدعاءات لآخرين للتحقيق. كما اقتحمت البلدة القديمة ومحيطها وسط انتشار عسكري كثيف وتحليقٍ للطائرات الاستطلاعية.
وامتدت الاعتداءات إلى الخليل وسلفيت وجنين، حيث داهمت قوات الاحتلال مخيمات الفوار والعروب وبلدة يطا جنوب الخليل، وقامت بتكسير محتويات شركة صرافة ومنازل المواطنين، في حين اقتحمت بلدتي دير استيا وحارس شمال غرب سلفيت، واعتدت على الأهالي بالضرب والتحقيق الميداني.
وفي جنين، نفذت وحدة خاصة للاحتلال الإسرائيلي عملية اقتحام للحي الشرقي فجر اليوم، تبعتها تعزيزات عسكرية ضخمة، ما اضطر مديرية التربية والتعليم إلى تأجيل الدوام المدرسي حفاظاً على سلامة الطلبة، بعد أن حولت قوات الاحتلال أحد المنازل إلى ثكنة عسكرية وشرعت بحملة تفتيش واعتقال واسعة.
ويأتي هذا التصعيد في وقتٍ تتصاعد فيه الانتهاكات الإسرائيلية بالضفة الغربية منذ اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تشير المعطيات إلى استشهاد أكثر من ألف فلسطيني برصاص قوات الاحتلال والمستوطنين، وسط اتهامات دولية لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب تشمل القتل خارج القانون والهدم القسري والاعتقال التعسفي.
وفي مقابل هذا المشهد الدموي، تستعد مدينة بيت لحم لاحتفالات عيد الميلاد وسط آمال ضعيفة بانتعاش السياحة والاقتصاد بعد عامين من الركود بسبب حرب الإبادة على غزة. فقد أُضيئت شجرة الميلاد في ساحة كنيسة المهد، بينما تواصل الكنائس والمؤسسات المسيحية استعداداتها لاحتفالات 24 ديسمبر، تحت شعار “الأمل والمحبة والسلام لأهل فلسطين”، في رسالة إنسانية تحمل دعوةً للحياة وسط الدمار والحصار.
رئيس بلدية بيت لحم ماهر قنواتي أكد أن رسالة المدينة إلى العالم هي أن الفلسطينيين شعب يحب الحياة والسلام رغم الجراح، فيما شدّد الأب عيسى ثلجية على أن أعياد الميلاد هذا العام “تحمل نور الرجاء في مواجهة الظلم والاحتلال”.
ورغم هذه الروح المفعمة بالأمل، يبقى الواقع الاقتصادي قاتماً، إذ يقول تجار وسكان محليون إن عدد الحافلات السياحية انخفض من أكثر من مئة يومياً إلى أقل من خمس حافلات حالياً، ما جعل المدينة تعيش ركوداً غير مسبوق، في حين يأمل أصحاب الفنادق أن يشكل موسم الأعياد بارقة أمل تعيد بعض النشاط إلى بيت لحم التي أنهكتها الحروب والأزمات.
وبينما يحتفل الفلسطينيون بالأمل في مدينة السلام، تتواصل عمليات القتل والهدم والاعتقال في الضفة والقدس، لتؤكد أن الاحتلال ماضٍ في مشروعه الدموي لفرض واقع استيطاني جديد، فيما يقف المجتمع الدولي عاجزاً أمام انتهاكات يومية تجمع بين إرهاب الدولة وجرائم المستوطنين تحت مظلة الصمت العالمي.
