لم يعد التوتر القائم بين المملكة العربية السعودية وميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيا مجرد خلاف تكتيكي يمكن احتواؤه عبر القنوات الخلفية، بل تحوّل إلى صراع مكشوف على النفوذ والقرار السيادي في شرق اليمن، بعد أن تهاوت خلال الأسابيع الأخيرة كل صيغ التفاهم الضمني التي حكمت العلاقة بين الطرفين منذ تشكيل تحالف العدوان.
التصعيد الأخير في الخطاب السعودي، الذي انتقل من التحفظ إلى اتهام مباشر للانتقالي بتنفيذ أجندات خارجية، بالتوازي مع رسائل عسكرية جوية في حضرموت، يعكس تحوّلًا جوهريًا في مقاربة الرياض للملف الجنوبي. فالسعودية، التي لطالما فضّلت إدارة التناقضات داخل معسكرها بأدوات ناعمة، بدت هذه المرة مستعدة للذهاب إلى خيار الردع الصلب لمنع فرض وقائع جديدة خارج نطاق سيطرتها.
في هذا السياق، توظّف الرياض ورقة الأمن القومي بوصفها إطارًا ناظمًا للصراع، في محاولة لإعادة تعريف تحركات المجلس الانتقالي باعتبارها تهديدًا استراتيجيًا يتجاوز الخلاف السياسي المحلي. ومن خلال هذا التأطير، تسعى السعودية إلى نزع الشرعية السياسية عن مشروع الانتقالي، وتحويله من شريك ميداني إلى طرف مشكوك في ولائه واتجاهه، بما يبرر اتخاذ إجراءات أكثر حدة ضده.
في المقابل، ينظر المجلس الانتقالي إلى هذا التحول السعودي باعتباره محاولة لكبح تمدده السياسي والعسكري بعد أن نجح في ترسيخ وجوده في مناطق حيوية. ويرى أن الانفتاح على خيارات إقليمية ودولية لم يكن خروجًا عن التحالف، بل سلوكًا براغماتيًا فرضته طبيعة الصراع وتعقيدات المشهد، في ظل غياب ضمانات سعودية حقيقية لمستقبل مشروعه.
وتبرز حضرموت والمهرة بوصفهما بؤرة الاشتباك الأساسية في هذا الصراع، ليس فقط لثقلهما الجغرافي والاقتصادي، بل لرمزيتهما الاستراتيجية. فبالنسبة للرياض، تمثل هاتان المحافظتان خط الدفاع المتقدم عن أمنها الجنوبي ومنفذها الحيوي على بحر العرب، وأي تغيير في موازين القوى هناك يُنظر إليه كاختراق مباشر لمجالها الأمني التقليدي.
أما المجلس الانتقالي، فيتعامل مع الشرق اليمني باعتباره حلقة حاسمة في مشروعه السياسي، إذ يرى أن بقاء حضرموت والمهرة خارج معادلة نفوذه يحوّل أي كيان جنوبي محتمل إلى كيان هش، محدود الجغرافيا والتأثير. ومن هذا المنطلق، يخوض الانتقالي معركة ترسيخ الأمر الواقع، مدركًا أن التراجع في هذه المرحلة سيعني انكماشًا طويل الأمد يصعب تعويضه.
التحول الأخطر في مسار الأزمة يتمثل في الانتقال من إدارة الخلاف سياسيًا إلى توظيف القوة العسكرية كأداة ضغط. فالضربات الجوية التي استهدفت محيط تمركزات الانتقالي لم تكن مجرد رسائل تحذيرية، بل إعلانًا عمليًا عن نهاية مرحلة التسويات الرمادية وبداية مرحلة فرض الشروط بالقوة.
هذا التصعيد وضع الطرفين أمام معادلة شديدة التعقيد: فالسعودية لا ترغب في خسارة نفوذها شرق اليمن ولا في السماح بقيام مركز قوة خارج إرادتها، بينما يدرك الانتقالي أن أي مواجهة مباشرة مع الرياض ستكون مكلفة، لكنه في الوقت نفسه لا يملك رفاهية الانسحاب دون أن يتآكل مشروعه من الداخل.
