يشهد الداخل الأمريكي انقساماً سياسياً ودستورياً حاداً على خلفية العدوان العسكري الأمريكي على فنزويلا واختطاف رئيسها نيكولاس مادورو، في تطور أعاد إلى الواجهة صراع الصلاحيات بين البيت الأبيض والكونغرس، وكشف شرخاً عميقاً داخل النخب الحاكمة والرأي العام في الولايات المتحدة حول شرعية استخدام القوة خارج الحدود وانعكاساته على النظام الدستوري ومكانة واشنطن الدولية.
ففي مقابل اندفاع الرئيس دونالد ترامب لتسويق العملية بوصفها “إنفاذاً للعدالة” و”حرباً وقائية” مرتبطة بالمخدرات، برز تيار واسع داخل الكونغرس الأمريكي يرى في ما جرى انتهاكاً صريحاً للدستور وتجاوزاً خطيراً لصلاحيات السلطة التشريعية. نواب ديمقراطيون وجمهوريون على السواء حذّروا من أن شنّ عمل عسكري ضد دولة ذات سيادة من دون تفويض مسبق يُعدّ سلوكاً حربياً غير دستوري يفتح الباب أمام حكم الفرد ويقوّض مبدأ الفصل بين السلطات.
قادة في مجلس الشيوخ الأمريكي وصفوا العملية بأنها سابقة خطيرة تعيد إنتاج أخطاء التدخلات الخارجية السابقة، مؤكدين أن الادعاء بمحاربة المخدرات لا يرقى إلى مسوّغ قانوني لاعتقال رئيس دولة بالقوة العسكرية. وذهب بعضهم إلى المطالبة بتحقيقات برلمانية عاجلة ومساءلات قد تصل إلى تقييد صلاحيات الحرب ومنع تمويل أي تصعيد لاحق.
في المعسكر الديمقراطي، ارتفعت أصوات بارزة مثل ألكساندريا أوكاسيو كورتيز وكريس فان هولين لتؤكد أن القضية ليست مخدرات بل نفط وتغيير نظام، وأن الإدارة تجاهلت الكونغرس عمداً خشية تسريب المعلومات، في اعتراف ضمني بضعف الأساس القانوني. هذه الأصوات حذّرت من توريط الجيش في مغامرة مفتوحة، وتعريض الجنود للخطر، وإشعال تداعيات إقليمية لا يمكن ضبطها.
في المقابل، اصطفّ تيار محافظ داعم للرئيس خلف خطاب “القوة أولاً”، معتبراً العملية إظهاراً للحزم الأمريكي واستعادة لـ“الردع”، ومراهناً على تحقيق مكاسب داخلية انتخابية عبر تسويق الضربة كإنجاز أمني. غير أن هذا الدعم بدا أضيق من أن يغطي الكلفة الدستورية والسياسية، خصوصاً مع اتساع رقعة الاعتراض داخل الإعلام الأميركي ومراكز الأبحاث القانونية.
قانونيون بارزون شددوا على أن ما جرى يقوّض القانون الدولي ويُضعف حجة واشنطن الأخلاقية، محذّرين من تدويل الأزمة وجرّ الولايات المتحدة إلى مسارات تصعيدية مع قوى كبرى. كما أبدت مدن أميركية، تضم جاليات فنزويلية واسعة، قلقها من انعكاسات داخلية تتعلق بالأمن المجتمعي والاحتجاجات، ما يضيف بعداً اجتماعياً للانقسام السياسي.
خلاصة المشهد أن العدوان على فنزويلا لم يوحّد الداخل الأميركي كما أرادت الإدارة، بل فجّر انقساماً بنيوياً حول من يملك قرار الحرب، وحدود القوة، وكلفة الهيمنة. وبينما يصرّ البيت الأبيض على فرض الأمر الواقع، تتعاظم داخل الولايات المتحدة قناعة بأن تجاوز الدستور لا يصنع أمناً، وأن مغامرات الخارج قد ترتدّ أزمات في الداخل، في لحظة تتآكل فيها الثقة بالمؤسسات وتتصاعد فيها مخاطر الانزلاق إلى صدامات أوسع.
