ذات صلة

الأكثر مشاهدة

غارات سعودية عنيفة على كهبوب تستهدف سوقاً شعبياً وتروع المدنيين

صعّد طيران العدو السعودي، الاثنين، غاراته العدوانية على منطقة...

21 سبتمبر.. والرعب الصهيو-أمريكي

أعادت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر تعريف السيادة بعد...

(ست) الثورات

هل تعتقدون أنكم بذلك يمكن أن تنكروا أَو حتى...

إيران تحدّث “قوتها الجوية” استعداداً للمواجهة كبرى

استعداداً لمعركة تُلوِّح بها واشنطن وتُغذّيها تل أبيب، تمضي طهران في إعادة تشكيل قوتها الجوية كجزء من معادلة ردع شاملة لا تنفصل عن عقيدتها الدفاعية الهجومية، في وقت تتصاعد فيه التهديدات الأمريكية العلنية وتتكاثر فيه محاولات الحرب النفسية والإعلامية لتصوير إيران دولة مُنهكة أو عاجزة عن الصمود. الواقع الميداني والعسكري يقول غير ذلك تماماً.

فبينما تُروّج الإدارة الأمريكية لرواية أن ضربات يونيو/حزيران الماضية أصابت البرنامج النووي الإيراني في الصميم، تؤكد الوقائع أن الاستهداف الحقيقي يتجه نحو تفكيك ركائز القوة الإيرانية، وفي مقدمتها القدرات الصاروخية والجوية. إلا أن طهران، بخبرتها التراكمية وقراءتها الدقيقة لسلوك الخصم، اختارت ألا تُسلِّم بمسارات الإملاء، فثبتت على خيار الردع المتدرّج: جاهزية عسكرية كاملة، وانفتاح سياسي مشروط بـالعدل والاحترام المتبادل، كما عبّر عنه وزير الخارجية عباس عراقجي بوضوح.

حرب الأيام الاثني عشر شكّلت جرس إنذار، لا من زاوية الضعف بل من زاوية إعادة الضبط الاستراتيجي. صحيح أن إيران أثبتت تفوقاً واضحاً في الصواريخ والطائرات المسيّرة، لكن طهران قرأت بواقعية فجوات الدفاع الجوي والطيران المقاتل، وشرعت فوراً في معالجتها، إدراكاً منها أن المواجهة المقبلة – إن فُرضت – ستكون جوية في المقام الأول.

سلاح الجو الإيراني لم يكن يوماً وليد الصدفة. تاريخه الممتد منذ عشرينيات القرن الماضي، مروراً بالاستهداف الممنهج خلال الحرب العالمية الثانية، ثم إعادة البناء المشروط بالإرادة الأمريكية بعد 1946، وصولاً إلى مرحلة ما بعد الثورة، يختصر قصة قوة حُوصرت ثم أُجبرت على الاعتماد على ذاتها. العقوبات، قطع الغيار، محاولات الانقلاب، وتصفية القيادات، كلها عوامل لم تُنهِ سلاح الجو، بل دفعت إيران إلى تكييفه مع بيئة عدائية دائمة.

اليوم، ورغم امتلاكها مقاتلات تعود إلى أجيال سابقة، نجحت طهران في الحفاظ على الجاهزية التشغيلية بما يفوق توقعات خصومها، وهو ما تعترف به حتى مراكز الدراسات الغربية. لكن إيران لا تكتفي بإدارة الواقع، بل تسعى إلى تغييره. من هنا جاء التوجه الواضح نحو تحديث نوعي عبر الشراكات مع موسكو وبكين، وفي مقدمتها مقاتلات سوخوي-35 ومروحيات ميل-28، إلى جانب إدخال طائرات ياك-130 التي شكّلت نقلة تدريبية وقتالية، وشاركت بالفعل في مناورات كبرى، في رسالة مباشرة بأن السماء الإيرانية ليست مفتوحة.

ورغم تأخر التسليم بسبب الحرب الأوكرانية، تدرك طهران أن إدخال مقاتلات متقدمة لا يعني مجرد استلام منصات، بل دمجها ضمن شبكة قيادة وسيطرة ورصد متعددة الطبقات، وهو ما تعمل عليه بهدوء ودون ضجيج. وفي حال اكتمال هذا المسار، فإن سوخوي-35 ستكون عاملاً مُربكاً للطائرات الشبحية الأمريكية والإسرائيلية، خاصة إذا فُرض الاشتباك ضمن مدى الرؤية، حيث تتآكل أفضلية الشبح وتبرز مهارة الطيار والسلاح.

بالتوازي، لا تُراهن إيران على خيار واحد. تنويع المصادر، سواء عبر الصين بمقاتلات J-10 أو JF-17، ليس فقط خياراً اقتصادياً، بل قرار سيادي يهدف إلى تحصين القرار العسكري من الابتزاز السياسي، وفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا، بما ينسجم مع عقيدة الاكتفاء الذاتي التي تشكّلت من دروس الحرب والحصار.

وفي المدى القصير، تُفعِّل طهران حلولاً إسعافية ذكية، على رأسها سلاح الطائرات المسيّرة، حيث تخطط لإدخال آلاف المسيّرات متعددة المهام، من الاستطلاع إلى الهجوم، مدعومة بخطوة نوعية تمثلت في تدشين حاملة الطائرات المسيّرة “الشهيد بهمن باقري” في بندر عباس، على تخوم مضيق هرمز، في رسالة استراتيجية بأن العمق البحري بات امتداداً للردع الجوي.

قد يراهن خصوم إيران على إنهاكها، لكنهم يتجاهلون حقيقة راسخة: طهران تتعلّم أسرع مما يُخطَّط ضدها. وإذا كانت قد خاضت عقوداً طويلة وهي تُعوِّض نواقص سلاحها الجوي عبر الردع الصاروخي والحلفاء، فإن المرحلة الراهنة تشهد سباقاً مع الزمن لإعادة التوازن داخل حدودها. الرسالة واضحة: إيران لا تبحث عن الحرب، لكنها تُعدّ لها بكل هدوء.. ومن يفرضها سيدفع ثمنها كاملاً.

spot_imgspot_img