ذات صلة

الأكثر مشاهدة

حين يصبح الموقفُ الشعبي وقوداً للمعادلات

إنَّ المتأمل في مشهد "السبعين" لا يرى مجرد حشودٍ...

قانون الإعدام يدخل سجون الاحتلال.. تصعيد تشريعي خطير يستهدف الأسرى الفلسطينيين ويؤسس لمرحلة أكثر وحشية

دخل كيان الاحتلال مرحلة جديدة من التصعيد المنهجي ضد الأسرى الفلسطينيين، بعد تفعيل ما يسمى قانون إعدام الأسرى في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة تكشف انتقال الاحتلال من سياسة السجن والقمع طويل الأمد إلى محاولة شرعنة القتل القضائي داخل منظومته العسكرية، بما يفتح الباب أمام واحدة من أخطر مراحل الاستهداف المنظم للأسرى منذ عقود.

وبحسب المعطيات المتداولة، جاء التفعيل العملي للقانون بعد توقيع قائد القيادة الوسطى في جيش الاحتلال آفي بلوث على التعديل العسكري اللازم لتطبيقه في الضفة الغربية، وهو ما يعني أن المحاكم العسكرية باتت مخولة بإصدار أحكام الإعدام بحق الفلسطينيين المتهمين بتنفيذ عمليات ضد إسرائيليين، من دون الحاجة إلى مسار تشريعي إضافي. وبهذا الانتقال، لم يعد القانون مجرد ورقة داخل الكنيست، بل أصبح أداة تنفيذية مباشرة في يد المؤسسة العسكرية والقضائية للاحتلال.

ويكشف التعديل الجديد عن مستوى متقدم من الهندسة القانونية العنصرية، إذ لم تعد عقوبة الإعدام مشروطة بطلب من النيابة العامة أو بإجماع هيئة القضاة، بل بات بالإمكان إصدارها بأغلبية بسيطة، مع تقليص فرص التخفيف أو الاستبدال إلا في ما يسمى “ظروفاً استثنائية”. كما يتضمن القانون قيوداً إضافية تشمل حرمان المحكوم من طلب العفو، وتقييد قدرة القيادة العسكرية على تخفيف العقوبة أو إلغائها، إلى جانب فرض عزل مشدد وسرية على إجراءات التنفيذ داخل السجون.

ويحمل هذا القانون طابعاً تمييزياً صارخاً، لأنه يتيح فرض الإعدام على الفلسطيني الذي يُدان بقتل صهيوني عمداً، في حين لا يفتح الباب ذاته أمام محاكمة الصهاينه الذين يقتلون الفلسطينيين، وهو ما يكشف أن المسألة ليست “عدالة” أو “قضاء”، بل تشريع عنصري موجه ضد شعب بعينه، ضمن منظومة استعمارية تريد تحويل القضاء العسكري إلى ذراع إضافية من أذرع البطش.

وقد أقر الكنيست هذا القانون في 30 مارس 2026 بأغلبية 62 صوتاً مقابل 48، في أجواء سياسية إسرائيلية مشبعة بخطاب الانتقام والتشدد. ومع بدء التنفيذ، خرج وزير أمن الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس ليطالب بالتطبيق الفوري، معلناً أن “عهد الاحتواء انتهى”، وأن من يقتل الصهاينة “لن ينتظر صفقات تبادل بل سيدفع الثمن الأكبر”، في تصريح يربط بوضوح بين القانون وبين محاولة الاحتلال ضرب ملف الأسرى من جذوره ونسف أي معادلات تبادل أو ضغط مستقبلي.

ولم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، إذ أقر الكنيست أيضاً تشريعاً موازياً يتيح إنشاء محكمة عسكرية خاصة لمحاكمة من يصفهم الاحتلال بـ”أفراد النخبة” في حركة حماس ممن شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر 2023. وهذا يؤكد أن الاحتلال لا يكتفي بتشديد العقوبات، بل يعمل على بناء بنية قانونية استثنائية لإدارة الملف الفلسطيني تحت سقف الإعدام والمحاكم الخاصة والردع الدموي.

وتأتي هذه الخطوة في سياق عام من التنكيل المتصاعد بالأسرى الفلسطينيين منذ بدء الحرب على غزة، حيث يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 9500 أسير فلسطيني، بينهم مئات الأطفال والنساء، وفق معطيات حقوقية فلسطينية، وسط تقارير متواصلة عن الإهمال الطبي وسوء المعاملة والتعذيب، وهي أوضاع أدت خلال السنوات الأخيرة إلى استشهاد عدد من الأسرى داخل المعتقلات.

وفي الموقف الفلسطيني، اعتبرت حركة حماس أن تفعيل القانون يمثل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، مؤكدة أن القرار لن يثني الفلسطينيين عن مواصلة المقاومة، ودعت المجتمع الدولي إلى التدخل العاجل للضغط على الاحتلال من أجل إلغاء هذا القانون ومحاسبة المسؤولين عنه. ويعكس هذا الموقف إدراكاً فلسطينياً بأن الاحتلال يحاول إعادة تشكيل قواعد الاشتباك مع الأسرى، وتحويل السجون من فضاء قمعي إلى ميدان إعدام مؤجل.

في المحصلة، لا يبدو قانون إعدام الأسرى مجرد تعديل قانوني عابر، بل تحول نوعي في بنية العدوان الإسرائيلي، ينقل الصراع مع الأسرى الفلسطينيين من منطق الاعتقال الطويل إلى منطق التصفية القانونية المباشرة. وهو تصعيد يهدد بتفجير مزيد من الغضب والتوتر، لأنه يستهدف واحداً من أكثر الملفات حساسية ورمزية في الوعي الفلسطيني، ويؤكد أن الاحتلال ماضٍ في تجريد الفلسطيني حتى من الحد الأدنى من الحماية القانونية، في إطار مشروع أوسع يقوم على الردع الدموي، والتنكيل المفتوح، ومحاولة كسر إرادة الشعب الفلسطيني من داخل الزنازين كما في الميدان.

spot_imgspot_img