شهدت بلدة تلّ، جنوب غربي مدينة نابلس، واحدة من أعنف المواجهات التي اندلعت بين الفلسطينيين والمستوطنين خلال الأشهر الأخيرة، بعدما تصدى أبناء البلدة لهجوم نفذته مجموعات صهيونية مسلحة تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال، لتتحول محاولة الاقتحام إلى اشتباك دموي أسقط شهداء فلسطينيين وقتلى وجرحى في صفوف المهاجمين.
وبدأت المواجهة عندما اقتحم مستوطنون مسلحون البلدة وشرعوا في الاعتداء على الأهالي وإطلاق النار باتجاههم، قبل أن يهبّ أبناء تلّ للدفاع عن منازلهم وأراضيهم مستخدمين الحجارة والإمكانات المتاحة، في مشهد جسّد تصاعد المقاومة الشعبية في مواجهة إرهاب المستوطنين.
واتخذت المواجهة مسارًا نوعيًا عندما تمكن شاب فلسطيني من انتزاع سلاح أحد المستوطنين وتوجيهه نحو المهاجمين، ما أوقع قتيلًا وعددًا من الجرحى في صفوفهم وأجبر بقية المجموعة على التراجع والفرار من المنطقة.
وتضاربت المعلومات الأولية بشأن حصيلة خسائر المستوطنين؛ إذ أكدت حركة حماس مقتل مستوطن وإصابة آخرين، بينما تحدثت تقارير فلسطينية وإعلام عبري عن مقتل مستوطنين اثنين وإصابة ثلاثة آخرين، قيل إن بينهم ضابطًا في جيش الاحتلال ومسؤول أمن إحدى المستوطنات. ولم تصدر حتى الآن حصيلة صهيونية نهائية توضح العدد بصورة قاطعة.
وعلى إثر انهيار هجوم المستوطنين، تدخلت قوات الاحتلال بكثافة وأطلقت نيرانها مباشرة على أبناء البلدة، ما أسفر عن استشهاد أربعة فلسطينيين وإصابة أربعة آخرين، بعضهم بجروح حرجة، قبل أن تفرض طوقًا عسكريًا مشددًا على تلّ ومداخل مدينة نابلس، وتبدأ عمليات ملاحقة وتفتيش واسعة.
ونعت حركة المقاومة الإسلامية حماس شهداء البلدة، مؤكدة أن ما جرى يمثل «جريمة إعدام ميداني وجريمة حرب جديدة» تضاف إلى السجل الدموي للاحتلال، وموجّهة التحية إلى فدائي قرية تلّ الذي اغتنم سلاح أحد المهاجمين الصهاينة وقلب به مسار المواجهة.
ودعت الحركة أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية إلى تصعيد المواجهة مع الاحتلال في جميع نقاط التماس، وعدم ترك القرى والبلدات فريسة لهجمات المستوطنين، في ظل اتساع سياسة التسليح والحماية العسكرية التي توفرها حكومة العدو للعصابات الاستيطانية.
من جانبه، وجّه الناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام، أبو عبيدة، “تحية إجلال وإكبار إلى أهلنا المجاهدين في ضفة العياش وشبابها الثائرين”، مؤكدًا أن شباب الضفة سددوا ضرباتهم إلى الاحتلال وتصدوا لقطعان مستوطنيه من نابلس إلى جنين والقدس انتقامًا للمسجد الأقصى.
وشدّد أبو عبيدة على أن “للأقصى رجالًا يحمونه، وأن الفلسطيني لا ينام على ضيم”، محذرًا من أن تصعيد الاحتلال لعدوانه لن يجلب عليه إلا الويلات، وداعيًا أبناء الشعب الفلسطيني وعشائره وشرفاء الأجهزة الأمنية إلى الهبّة دفاعًا عن المقدسات والأعراض والأرض.
وأكد أن “معركة شعبنا الحقيقية مع الاحتلال هي في الضفة المحتلة”، معربًا عن ثقته بأن اشتعال المواجهة هناك سيكون مفتاحًا للنصر الكامل على الاحتلال، في رسالة تعكس الأهمية الاستراتيجية التي تمثلها الضفة في توسيع رقعة المقاومة ومحاصرة الكيان من داخله.
وأصابت مواجهة تلّ المؤسسة الأمنية والسياسية الصهيونية بحالة من الارتباك، بعدما تحولت عملية اقتحام استيطانية إلى ضربة مباشرة للمهاجمين. وعلى الفور، فرض جيش الاحتلال حصارًا على مدينة نابلس وبلدة تلّ، ودفع بخمس سرايا عسكرية إضافية إلى محيط مستوطنة «حفات جلعاد» والمناطق المجاورة.
وعقد رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو اجتماعًا أمنيًا عاجلًا مع وزير الحرب يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير لبحث تداعيات المواجهة وسبل الرد عليها، متوعدًا باتخاذ إجراءات مشددة لمنع تكرار عمليات مماثلة في الضفة الغربية.
وكعادتها، لجأت حكومة الاحتلال إلى التهديد بالعقاب الجماعي بدلًا من وقف إرهاب المستوطنين؛ إذ دعا وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير إلى هدم منازل الفلسطينيين، فيما طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بإقامة مستوطنة جديدة قرب موقع المواجهة وفرض عقوبات واسعة على القرى الفلسطينية المحيطة.
وتكشف هذه الدعوات أن الاحتلال يسعى إلى استغلال المواجهة لتوسيع الاستيطان وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم، في وقت يتجاهل حقيقة أن المستوطنين هم من بدأوا الهجوم مسلحين وتحت حماية جيشه، وأن أبناء البلدة مارسوا حقهم الطبيعي في الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم.
وتأتي مواجهة تلّ في ظل تصاعد منظم لاعتداءات المستوطنين على القرى الفلسطينية، بالتوازي مع الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى وعمليات القتل والاعتقال في الضفة. غير أن اغتنام سلاح أحد المهاجمين وقلبه ضدهم بعث رسالة واضحة مفادها أن القرى الفلسطينية لن تبقى ساحة مستباحة، وأن كل اعتداء صهيوني قد يتحول إلى مواجهة ترتد نيرانها على الاحتلال ومستوطنيه.
