تدخل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، مع انتقال طهران من الرد على الضربات الأمريكية داخل أراضيها إلى استهداف شبكة الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة بكاملها، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على تعرض قدرات واشنطن الجوية والبحرية لضغط تشغيلي متواصل يمتد من الأردن والخليج إلى العراق.
وجاء التصعيد بعد موجة غارات أمريكية طالت جنوب إيران، بينها منطقة كوهستك في سيريك بمحافظة هرمزغان، حيث قالت المصادر الإيرانية إن ضربة استهدفت منزلاً أثناء حفل زفاف وأوقعت عشرات الشهداء والجرحى، معظمهم من النساء والأطفال، إضافة إلى ضربات على أبراج اتصالات ومراكز خدمية ومواقع في خوزستان وسيستان وبلوشستان وهرمزغان وكرمان. واعتبرت الخارجية الإيرانية أن هذه الهجمات تمثل انتهاكاً مباشراً لسيادة البلاد والقانون الدولي.
وردت القوات المسلحة الإيرانية بهجمات صاروخية ومسيّرة متزامنة على قواعد أمريكية في الأردن والبحرين والكويت وأربيل، في تحول واضح من نموذج الرد الموضعي إلى ما وصفته صحيفة “وطن أمروز” الإيرانية بـ “استهداف شبكة الوجود الإقليمي”، بحيث تصبح القواعد ومراكز الصيانة والرادارات ومستودعات الوقود وحظائر الطائرات جزءاً من بنك أهداف واحد مترابط.
وفي الأردن، تحدثت المصادر الإيرانية عن استخدام صواريخ “خيبر شكن” ضد مواقع من بينها مطار الملك حسين ومعسكر “تيتين” وقواعد “الأمير حسن” و”موفق السلطي“، مع استهداف حظائر لطائرات MQ-9 وRQ-4 ومنشآت الصيانة. ويشير التقرير إلى اعتماد تكتيك يقوم على استنزاف بطاريات الدفاع الجوي أولاً ثم الدفع بالصواريخ الأكثر دقة وقدرة على المناورة، بهدف اختراق المظلات الأمريكية وإجبارها على استهلاك مخزونها الاعتراضي.
ويمتد الضغط إلى الخليج، حيث تحدثت المصادر عن هجمات بمسيّرات انقضاضية على قاعدة الشيخ عيسى في البحرين، بالتوازي مع ضربات طالت قاعدة علي السالم في الكويت، في وقت ترى فيه طهران أن توسيع جغرافية الهجمات يحوّل الانتشار الأمريكي من عنصر قوة إلى عبء أمني ولوجستي دائم يتطلب إعادة تموضع مستمرة وتوزيع الدفاعات على مساحة أوسع.
وتعزز هذه الصورة تقارير أمريكية أشارت إلى أن صواريخ “خيبر شكن” الإيرانية أصبحت تمثل تحدياً حقيقياً لمنظومات الاعتراض الأمريكية، بسبب عملها بالوقود الصلب وإمكانية إطلاقها من منصات متحركة وقدرتها على المناورة في المرحلة النهائية من المسار. ويقول التقرير إن هذه الخصائص تجعل اكتشاف منصات الإطلاق وتدميرها مسبقاً أكثر صعوبة، وتزيد الضغط على الدفاعات المنتشرة حول القواعد الأمريكية.
وبالتوازي مع المعركة الصاروخية، تظهر مؤشرات استنزاف في القوة البحرية الأمريكية. وينقل الملف عن “نيويورك تايمز” أن عدداً من حاملات الطائرات الأمريكية يخضع لصيانة طويلة أو يعاني أعطالاً فنية، بينما دُفعت أربع حاملات إلى الشرق الأوسط، ما أجبر واشنطن على إعادة توزيع أسطولها وسحب “جورج واشنطن” من اليابان باتجاه المنطقة، الأمر الذي ترك فجوات في انتشارها بالمحيط الهادئ.
ويقدم هذا الواقع، دليلاً على أن الحرب لم تعد تُقاس فقط بعدد الأهداف التي تُضرب، بل بقدرة طهران على إجبار واشنطن على تشتيت قواتها، وتوسيع مسافات الإمداد، وزيادة الاعتماد على التزود الجوي بالوقود، وحماية عدد متزايد من القواعد في وقت واحد. وبهذا تتحول القاعدة الأمريكية من منصة هجومية آمنة إلى موقع يحتاج باستمرار إلى حماية إضافية واحتياطيات دفاعية أكبر.
وتزامن التصعيد العسكري مع تحرك سياسي إيراني يحذر دول المنطقة من السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها في الهجمات الأمريكية، إذ تؤكد طهران أن أي قاعدة أو منشأة تنطلق منها عمليات ضد إيران تصبح جزءاً من دائرة الرد، مع تمسكها بأن عملياتها تستهدف البنية العسكرية المسؤولة عن العدوان.
وتكشف التطورات، عن تحول جوهري في موازين المواجهة: واشنطن ما تزال تمتلك تفوقاً جوياً وتقنياً ضخماً، لكن إيران تسعى إلى انتزاع حرية حركتها عبر ضرب شبكة القواعد نفسها واستنزاف دفاعاتها وإجبارها على الابتعاد عن مسرح العمليات. وهنا يصبح السؤال بالنسبة للولايات المتحدة أقل ارتباطاً بقدرتها على تنفيذ الضربات، وأكثر ارتباطاً بقدرتها على البقاء قريباً من إيران من دون أن تتحول قواعدها وحاملاتها ومراكزها اللوجستية إلى أهداف مكلفة ودائمة.
