ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ضربات حيدرية تبدد أوهام التحشيد وتصنع معادلات القوة

​في مرحلةٍ استثنائية من تاريخ شعبنا اليمني المجاهد تواصل...

من تحت الركام.. براءة تُقتل وضمير يغيب

تضيق العبارات وتعجز اللغات أمام هول الواقع القاسي الذي...

أسباب زوال النظام السعودي اكتملت

خلال العقود الماضية كان النظام السعودي يتغطى بالعروبة والإسلام،...

من كذبة “سلاح الجو” إلى الارتهان المتعدّد

المتأمل يرى أن أهمية البيانات العسكرية الصادرة عن صنعاء...

العميد سريع: 49 غارة سعودية خلال 12 ساعة والعدوان لن يمر دون رد وعقاب

كشف متحدث القوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، عن...

من تحت الركام.. براءة تُقتل وضمير يغيب

تضيق العبارات وتعجز اللغات أمام هول الواقع القاسي الذي يُطبق على قطاع غزة، حيث تحولت الطفولة الغضة إلى مجرد أرقام تُحصى في نشرات الأخبار، وانقلبت الأجساد الصغيرة إلى أكفان متجاورة تنتظر وداعها الأخير.

فما يجري هناك من إبادة وتهجير ينسف مفهوم الإنسانية ومنظومة القيم العالمية في صميمها، كاشفاً العوار الفاضح لمؤسسات المجتمع الدولي التي تقف متفرجة، أو مكتفية ببيانات جوفاء لا تسمن طفلاً من جوع ولا تقيه برداً.

وأمام هذا المشهد المأساوي، تبرز الصرخات والدعوات لتشكل جرس إنذار مدوياً يقرع أبواب الضمير العربي والإسلامي والعالمي، يقول: «إن غزة اليوم تباد بآلة الحرب والدمار الممنهج، كما تباد بصمت مطبق وغيبوبة دولية تواطأت مع الجلاد عبر عجزها وغياب إرادتها الحقيقية لوقف نزيف الدم».

وحين يمتزج أنين النساء والأطفال تحت الركام ببرد الشتاء القارس وقسوة الرياح والأمطار، واستمرار القذائف والصواريخ والغارات، تتكشف أبعاد كارثية جديدة تتجاوز حدود القصف العسكري لتستهدف الوجود الإنساني الفلسطيني برمته، إذ يُترك وحيداً يصارع الموت بلا مأوى ولا دواء ولا رغيف خبز.

هذا الواقع المفجع يضع الأمتين العربية والإسلامية، بكل مكوناتها الرسمية والشعبية، أمام اختبار تاريخي لا يقبل إنصاف الحلول ولا يحتمل المواقف الرمادية.

ويعكس استمرار هذا النزيف اليومي وسط حالة التراخي والتشرذم، أزمة بنيوية في مفهوم التضامن ووحدة المصير، فالأمة التي تتخلى عن حماية أطفالها ونسائها تفقد مبرر بقائها الحضاري والأخلاقي.

وفي المقابل، تظل تساؤلات الشارع العربي والإسلامي المشروعة والموجعة: أين قرارات الهيئات الدولية؟ وأين تفعيل أوراق الضغط السياسية والاقتصادية؟ لتقف إلى جنب دور قوى محور المقاومة الأحرار في تغيير معادلات الردع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل أن تحيل آلة الدمار غزة إلى مجرد ذكريات وركام؟

ووسط هذا الخذلان العربي والإسلامي الواسع، يبرز اليمن الأبيّ بقيادة السيد عبد الملك بن بدر الدين الحوثي -يحفظه الله- نموذجاً استثنائياً فريداً -رغم ما يعانيه من جراح وتبعات سنوات العدوان والحصار السعودي الصهيوأمريكي- حاملاً القضية الفلسطينية في جرحه ودمه ونبضه الحي، وجاعلاً أطفال ونساء غزة هماً يومياً وقضية كبرى لا تعلوها قضية.

وكلما تعلق الأمر بالحقوق الفلسطينية المشروعة، فركام غزة اليوم، وكل طفل يُنتشل من بين الأنقاض، وكل كفن يُلف به جسد نقي، شاهد إثبات على سقوط منظومة العدالة الدولية وتهاوي معاييرها المزدوجة، ولائحة اتهام موجهة لكل صامت ومتخاذل، ودعوة ملحة للخروج من غيبوبة موت الضمير إلى فضاء الفعل المؤثر والتضامن العملي الجاد.

ودماء أطفال غزة وأنين نسائها لن تذهب سدى، وستبقى تطارد ضمائر كل من شارك أو سكت أو غض الطرف، والتاريخ لا يرحم المتخاذلين، والجغرافيا وحدها لا تكفي لصنع الأوطان ما لم تُحصن بالدماء والتضحيات والمواقف الصلبة.

وغزة اليوم غنية عن التعاطف والمناشدات الباهتة، وفي أمسِّ الحاجة لتحرك عاجل يعيد للعروبة والإسلام نبضهما الحقيقي، واستعادة الإنسانية المفقودة، قبل أن يفوت الأوان وتغرق المنطقة بأسرها في كارثة أمنية وعسكرية وأخلاقية وإنسانية لا يمكن تداركها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهر أحمد عمير

spot_imgspot_img