تحت عنوان “سيناريوهات هجوم قريب على إيران” نشرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية مقالة مترجمة من العبرية إلى العربية للكاتب الإسرائيلي رونين بيرغمان (يديعوت أحرونوت)، يعرض فيها قراءةً للموقف الإسرائيلي من جهة، وللموقف الأميركي من جهة ثانية، قبل أن يخلص إلى أن الهدف – وفق تقديره – ليس إسقاط النظام في إيران، بل “توجيه ضربة نارية شديدة جداً على مدى بضعة أيام، تُلحق أكبر ضرر ممكن بالنظام؛ عندها تُجبره على العودة إلى طاولة المفاوضات والموافقة على تنازلات لم يوافق عليها حتى الآن”.
يصف بيرغمان المشهد بوصفه تموضعاً نارياً غير مسبوق في المنطقة، قائلاً إن هناك “جيشين، أميركي وإسرائيلي، على طول وعرض الشرق الأوسط والخليج الفارسي، ومئات الطائرات، وحاملات طائرات مع حاشيتها الهائلة، وقوات غفيرة”، مضيفاً أن قوة النار هذه لم تشهدها المنطقة منذ حرب الخليج عام 1991، بما في ذلك بطاريات دفاع صاروخي معدّة لصد أي رد إيراني “ليس فقط ضد إسرائيل، بل أيضاً ضد القوات الأميركية وحلفائها”، مع أوامر بالاستعداد للعملية ابتداءً من اليوم.
ويُفرد الكاتب مساحة لذكر حاملة الطائرات الأميركية “جيرالد فورد” التي تبحر بكامل قوتها للتموضع في شرق المتوسط مع مجموعة سفن مرافِقة، ويراها خطوة “استثنائية” قد تُلمّح إلى ما هو آتٍ، مؤكداً أن التوتر بلغ ذروته وأن الجميع ينتظر “قرار رجل واحد” في البيت الأبيض.
وبحسب بيرغمان، يمكن تقدير وجود توجيه من دونالد ترامب للولايات المتحدة ثم لإسرائيل بالاستعداد لشن هجوم على إيران في غضون أيام ضمن طيف واسع من السيناريوهات. ويرجّح الكاتب أن تتضمن هذه السيناريوهات مشاركة إسرائيل بشكل “محدّد الأدوار”، بحيث تتولى الولايات المتحدة معالجة المشروع النووي، بينما تتكفل إسرائيل بمنظومة إنتاج ونشر وتخزين وإطلاق صواريخ أرض–أرض الإيرانية. ومع ذلك، يلفت إلى أن إسرائيل – حتى الآن – تبدو لاعباً ثانوياً في حدث تقوده واشنطن وتتحكم بإيقاعه.
ينطلق الكاتب بعد ذلك من سؤال: ما الذي حققته الجولة السابقة؟ ويشير إلى أن عملية “شعب كالأسد” (حرب حزيران/يونيو الفائت) حققت – وفق توصيفه – نجاحاً مهماً عسكرياً واستخباراتياً وقياساً إلى التخطيط والتنفيذ، لكن المشكلة كانت في “المبالغة السياسية”، إذ تحدث ترامب عن تدمير كامل، بينما تحدث نتنياهو عن إزالة تهديدي النووي والصواريخ. ويزعم بيرغمان أن الجيشين وأجهزة الاستخبارات حرصوا على إبقاء النتائج الحقيقية طي الكتمان تجنباً للاصطدام بالقيادتين، لكن الحصيلة الفعلية – بحسب تقديره – كانت أقل بكثير من الطموح المعلن؛ فالمشروع النووي لم يُدمَّر، وقد لا يكون تراجع سنوات إلى الوراء، بل ربما سنة واحدة أو أقل وفق أحد التقديرات التي ينقلها.
وفي ما يخص مؤشرات اقتراب هجوم جديد، يسرد بيرغمان علامات يراها “واضحة”: حشود القوات، وإخلاء قواعد أميركية كبيرة في الخليج، واقتراب “جيرالد فورد” لاستكمال قوة النار، ووجود أسطول طائرات للتزويد بالوقود قادر على دعم القوات الأميركية والإسرائيلية معاً، إلى جانب “جسر جوي” لكبار المسؤولين الأميركيين إلى إسرائيل وبالعكس. كما يذكر إشارات تمهيدية سابقة فهمت لاحقاً في إسرائيل على أنها جزء من التحضير، مثل امتناع واشنطن عن نسف المفاوضات علناً والإيحاء بوجود جولة إضافية قبل أي ضربة. ويضيف أن كثيرين في إسرائيل يعرفون أشخاصاً استُدعوا للاحتياط أو لمهمات طارئة، لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين الاستعداد والقرار النهائي، لأن موجات الذعر قد تنشأ أحياناً من تقديرات غير رسمية قبل صدور قرار حاسم من البيت الأبيض.
وفي محور الدفاع، يصف بيرغمان إسرائيل بأنها “دولة صغيرة” ما زالت تعيش صدمة قومية، وأن الحرب السابقة أظهرت اختراقات للجيش الإسرائيلي، لكن المجتمع تلقى “عدداً غير قليل من الصواريخ” وأدرك حجم الخطر. وينقل أن الإيرانيين يعتقدون أن إسرائيل تعاني نقصاً في صواريخ الاعتراض، خصوصاً منظومة “حيتس” التي تُعد السلاح المركزي ضد الصواريخ الباليستية، وأن إسرائيل نجحت نسبياً في حماية أهداف استراتيجية وقواعد عسكرية، لكن أجزاء من المدن لم تكن محمية وتضررت، حتى إن “إصابة واحدة كانت قاسية للغاية”.
ومن هنا يطرح الكاتب احتمال أن يركّز الرد الإيراني على مناطق مدنية ومدن كبرى وسكان مدنيين. ويشير إلى أن إسرائيل طلبت تأجيلاً من الولايات المتحدة قبل أسابيع لاستكمال الاستعدادات الدفاعية والهجومية، وأن في الجيش من يرى أن الفترة منذ حزيران/يونيو استُغلت لتعزيز القدرة على مواجهة الصواريخ الإيرانية. لكنه يضيف تقديراً استخباراتياً مفاده أنه إذا لم تبادر إسرائيل إلى مهاجمة إيران فإن احتمال أن تبادر إيران إلى مهاجمتها ليس مرتفعاً، أما إذا شاركت إسرائيل في هجوم مع الولايات المتحدة فسيكون الوضع مختلفاً تماماً، مؤكداً أن واشنطن تسعى إلى جولة قصيرة بكثافة نارية قصوى تُحسم خلال أيام، لكن “الحرب مثل الاتصال الهاتفي لها طرفان”، ولا أحد يستطيع الجزم بسلوك الإيرانيين أو مسار التصعيد.
ثم ينتقل بيرغمان إلى سؤال الهدف: إسقاط النظام أم ضرب المواقع النووية؟ ويطرح إشكالية إسقاط نظام من دون قوات برية، متسائلاً عمّا إذا كان بالإمكان تحقيق ذلك بالقصف وحده. وينقل عن أوساط يقول إنها تحدثت مع جهات أميركية رفيعة أن فكرة إسقاط النظام بدأت تتراجع في البيت الأبيض، وأنها لم تعد هدفاً واقعياً – حتى لو كانت مرغوبة – ليحل محلها هدف “أكثر منطقية” وفق وصفه: ضربة نارية شديدة جداً لأيام قليلة تُلحق أكبر ضرر بالنظام وتعيده إلى طاولة المفاوضات لتمرير تنازلات لم يقبلها بعد، باعتبار أن المقترحات الإيرانية في جنيف لا تزال بعيدة عن الحد الأدنى الأميركي.
وفي القسم المتعلق بنتنياهو وإسرائيل، يعود بيرغمان إلى أواخر 2025 حين سعى نتنياهو – وفق روايته – إلى الحصول على ضوء أخضر لشن هجوم إسرائيلي بين نيسان/أبريل وحزيران/يونيو، كما درست إسرائيل الانضمام إلى هجوم أميركي محدود قبل أسابيع في ذروة الاحتجاجات. وفي الحالتين، ينقل أن قادة عسكريين رأوا ضرورة تعزيز الدفاع أولاً، وأن نتنياهو طلب من ترامب ضمانات دعم دفاعي لكن ترامب لم يلتزم، مع حديث عن لقاء آخر.
ويقول إن الحسابات داخل الجيش الإسرائيلي تبدلت اليوم جذرياً، وإن الاحتجاجات وضعت ترامب أمام قرار مع همس مستشارين له بعبارة “لا تكن مثل أوباما”، لكنه يضيف أن إسرائيل ونتنياهو عاملان حاسمان في المشهد. فلو انتهت الجولة بضربة أميركية كبيرة ضد أهداف نووية وصاروخية فستكون – وفق طرحه – المرة الثالثة خلال أقل من عام التي ينجح فيها نتنياهو في دفع ترامب إلى المسار الذي يريده، وهو ما يعزز صورة العلاقة بينهما. كما يذهب إلى أن تولي الجيش الأميركي جزءاً كبيراً من مهمة كانت ستقع على عاتق إسرائيل يعد إنجازاً إضافياً لنتنياهو.
ويختتم بيرغمان بالإشارة إلى تبدّل موقف كثيرين من كبار الضباط الإسرائيليين، ناقلاً عن مسؤول أمني رفيع قوله: “لدينا فرصة تاريخية لكي نكون فيها الشريك الأصغر، وهم يقودون كل شيء؛ لديهم وسائل وقنابل لا نملكها، وهم سيتحملون معظم العبء.” ومن هنا – بحسب الكاتب – يرحّب كثيرون في إسرائيل بتلقي “إشارة الانطلاق”، ضمن مقاربة ترى في الحرب المحتملة فرصة لتوزيع الأدوار بحيث تتحمل واشنطن العبء الأكبر وتقطف تل أبيب مكاسب استراتيجية من موقع “الشريك الأصغر”.
