ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ستون مليار دولار في مهبّ الفساد.. كيف أُفرغت خزينة اليمن طوال 33 عاماً تحت حكم منظومة عفاش؟

يكشف ما ورد في تقرير لجنة الخبراء الدولية جانباً من الفساد المنهجي واسع النطاق الذي نخر مؤسسات الدولة اليمنية طوال 33 عاماً، حيث جرى، وفق المعطيات الواردة، تجريف الثروة العامة وتحويلها إلى شبكات نفوذ خاصة، في واحدة من أخطر عمليات النهب المنظم التي عرفها اليمن الحديث. فالمسألة، بحسب هذه الوثائق، لم تكن مجرد تجاوزات إدارية أو فساد محدود، بل منظومة متكاملة أفرغت خزينة الدولة وأفقرت الشعب، بينما كانت الأموال تتسرب إلى الخارج في صورة أرصدة وعقارات وشركات واستثمارات خاصة.

وتشير التقديرات المتداولة إلى أن حجم الأموال التي جرى نهبها من اليمن خلال عقود حكم المنظومة السابقة بلغ نحو ستين مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الكارثة التي تعرضت لها البلاد، لا سيما إذا ما قورن بما انتهى إليه حال اليمن من خدمات منهارة، واقتصاد منهك، وفقر واسع، وجوع بلا مبرر. فخلال تلك المرحلة، لم تكن البلاد واقعة تحت عدوان خارجي أو حصار أو عقوبات شاملة تفسر هذا الانهيار، بل كانت تحت سلطة نظام حوّل الدولة إلى مزرعة مغلقة للنهب والإثراء الشخصي.

وبحسب ما أوردته مصادر محلية وأجنبية، فإن ثروة علي عبدالله صالح قُدّرت بمليارات الدولارات، تشمل أملاكاً وعقارات ومساهمات في شركات، وإن ظلت بعض هذه التقديرات غير مؤكدة بصورة نهائية. غير أن ما تكشفه الوثائق الأممية والمالية يشير بوضوح إلى وجود شبكات ملكية وتحويلات مالية واسعة مرتبطة بأفراد من عائلته، وفي مقدمتهم خالد علي عبدالله صالح، الذي تصفه إحدى الوثائق المرفقة بأنه المساهم الوحيد في عدة شركات، فيما توضح وثائق أخرى أنه جرى نقل ملكيات شركات مسجلة في جزر ومناطق مالية معروفة إلى اسمه.

ولا تقف الصورة عند حدود الملكيات الورقية، إذ تظهر وثائق مصرفية أن حساباً باسم خالد علي عبدالله صالح في الإمارات شهد تحويلات مالية تجاوزت 84 مليون دولار خلال عام 2014، أي بعد فرض الحجز الأممي على أموال صالح. وفي وثيقة أخرى، جرى تحويل 33 مليون دولار إلى حساب خالد في فترة زمنية متقاربة، ما يثير تساؤلات خطيرة حول آليات الالتفاف على العقوبات الدولية، وطرق نقل الأموال وإخفائها وإعادة تدويرها في الخارج.

وتشير المعطيات إلى أن الأموال المنهوبة لم تُهرّب بصورة مباشرة فقط، بل جرى أولاً غسلها وإعادة توصيفها كعوائد واستثمارات، قبل إيداعها في بنوك أجنبية داخل نحو عشرين دولة. ثم تحولت هذه الأموال إلى أرصدة سرية، وعقارات فاخرة، وأسهم، وذهب، وسلع ثمينة خارج اليمن. ومن خلال تتبع بعض الملكيات، يتبين وجود روابط مباشرة بين هذه الأصول وبين نجل الرئيس السابق وابن أخيه، وصولاً إلى التحقق من شراء أربع شقق على الأقل، بل إن الحكومة الأمريكية نفسها اعترفت بملكية عائلة صالح لهذه العقارات، بما يعزز فرضية أن جانباً من شبكة الإخفاء المالي قد كُشف بالفعل، بينما لا يزال جانب أكبر منها بعيداً عن الضوء.

وفي قلب هذا النهب، برزت عقود النفط والغاز الحصرية كأحد أهم مفاصل الفساد، إذ فُصّلت، وفق توصيف النص، على مقاس الفاسدين وجيوبهم، لا على أساس المصلحة الوطنية أو تعظيم العائد العام. كما مثّل برنامج دعم الوقود أحد أخطر أبواب النهب، حيث كانت مليارات الدولارات تُصرف باسم الشعب، ثم يعاد تدويرها أو بيعها في السوق السوداء، بما يحوّل الدعم العام إلى آلة ربح خاصة لفئات نافذة، بينما يتحمل المواطن العادي نتيجة ذلك في شكل أزمات معيشية واختناقات اقتصادية وارتفاع في الأسعار.

وبحسب هذا السياق، فإن علي عبدالله صالح كان، وفق ما كشف من ملفات ووثائق، ينهب نحو ملياري دولار سنوياً، في وقت كانت فيه الدولة تتراجع على كل المستويات. فثلاثة عقود من السيطرة على مقدرات البلاد لم تنتج تنمية حقيقية، ولا بنية خدماتية مستقرة، ولا مؤسسات قوية، بل أنتجت دولة مستنزفة وشعباً مسحوقاً وثروة وطنية مهاجرة إلى الخارج. وهنا تظهر المفارقة الفادحة: كل ما عاناه اليمن لاحقاً من ضعف وانهيار لم يبدأ مع الحرب فقط، بل سبقه تجريف طويل ومنظم لأموال الدولة ومواردها.

إن أخطر ما تكشفه هذه المعطيات ليس فقط حجم الأموال المنهوبة، بل طبيعة الجريمة نفسها: جريمة تحويل الدولة إلى أداة للنهب، وتفريغ المؤسسات من وظيفتها العامة، واستخدام الثروة الوطنية لبناء إمبراطورية مالية عائلية عابرة للحدود. وما يرد في هذه الوثائق لا يبدو سوى جزءاً مما انكشف، لا كل ما حدث بالفعل، وهو ما يعني أن سجل الفساد في عهد المنظومة السابقة قد يكون أوسع وأعمق وأشد فتكاً مما ظهر حتى الآن.

وفي المحصلة، فإن الحديث هنا ليس عن أرقام جامدة، بل عن أموال شعب سُرقت، وثروات بلد أُفرغت، ومستقبل أمة أُهدر. فبينما كانت المليارات تُنقل إلى البنوك الأجنبية والعقارات الفاخرة، كان اليمني العادي يُدفع نحو الفقر والحرمان والجوع. وهكذا، لم يكن فساد تلك المرحلة مجرد انحراف سياسي أو مالي، بل مشروعاً كاملاً لتجويف الدولة وحرمان الشعب من حقه في ثروته وحياته الكريمة.

spot_imgspot_img