دخلت الحرب، حتى صباح 1 أبريل/نيسان 2026، مرحلة أكثر اتساعاً وتعقيداً، بعدما تزامنت موجات صاروخية إيرانية جديدة على وسط فلسطين المحتلة مع تصعيد حزب الله على الجبهة الشمالية، وعملية يمنية مشتركة مع إيران وحزب الله، وضربات ووقائع أمنية طالت البحرين والكويت وقطر، فيما بدا أن واشنطن تواجه استنزافاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً متزايداً. وبحسب المستجدات الواردة، فإن القناة 13 الإسرائيلية تحدثت عن إطلاق 50 صاروخاً منذ صباح اليوم من إيران وحزب الله وأنصار الله، فيما قالت وزارة الصحة الإسرائيلية إنها عالجت 106 جرحى خلال 24 ساعة، مع تضرر 11 موقعاً في يافا ومحيطها، وسقوط رؤوس انشطارية في بني براك وتل أبيب الكبرى.
في العمق الإسرائيلي، تركز الضغط الناري على يافا وتل أبيب وبني براك، حيث أقر الإسعاف الإسرائيلي بالتعامل مع 11 موقعاً سقطت فيها شظايا، ثم أعلن لاحقاً 14 مصاباً أحدهم بحالة خطرة في بني براك، فيما تحدثت وسائل إعلام العدو عن تضرر 11 موقعاً في يافا ومحيطها جراء سقوط الرؤوس الانشطارية. ويعني هذا أن الضربات الإيرانية لم تعد مجرد رشقات رمزية، بل باتت تضرب الكثافة السكانية والاقتصادية في قلب الكيان، وتفرض على الجبهة الداخلية حالة إنذار متواصلة وصفارات لا تتوقف.
وعلى الجبهة الشمالية، صعّد حزب الله عملياته بشكل لافت، فاستهدف خلال ساعات قاعدة ستيلا ماريس البحرية، وقاعدة نشريم جنوب شرق حيفا، ثم قاعدة تيفن شرق عكا، وميرون وبيريا ومعالوت تشريحا وشلومي ونهاريا وزرعيت ويوديفات ومحانييم، بالتوازي مع اشتباكات عنيفة في شمع واستهدافات دقيقة في دير سريان والقنطرة. وبحسب القناة 12 الإسرائيلية، أُطلق أكثر من 40 صاروخاً ومسيّرة نحو الشمال خلال ساعة واحدة، ما يعكس أن الحزب ينقل الجبهة من استنزاف حدودي إلى ضغط عملياتي مركّز على المواقع والقواعد والبنى العسكرية.
اليمن بدوره دخل مرحلة أوضح من التنسيق الميداني، إذ أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ العملية العسكرية الثالثة في “معركة الجهاد المقدس” بدفعة من الصواريخ الباليستية استهدفت أهدافاً حساسة للعدو الإسرائيلي في جنوبي فلسطين المحتلة، موضحة أن العملية جاءت بالاشتراك مع الإخوة المجاهدين في إيران وحزب الله في لبنان وأنها حققت أهدافها بنجاح، مع تعهّد بالمزيد من التصعيد حتى وقف العدوان ورفع الحصار.
في المقابل، توسعت دائرة الاستهداف إلى البنية الأمريكية والإقليمية. فوفق المستجدات المعلنة، تحدثت جهات إيرانية عن الموجة 88 من عمليات وعد صادق التي استهدفت سفينة حاويات تابعة للكيان في مياه الخليج، ومراكز تحكم أمريكية بالمسيرات في الأردن والكويت والعراق، وتجمعات لمشاة البحرية الأمريكية على سواحل الإمارات، بينما أقرّت CBS بأن عدد الجنود الأمريكيين المصابين في الحرب ارتفع إلى 348 جندياً. كما وردت أنباء عن أكثر من 5 ثم 6 انفجارات في القاعدة الأمريكية المركزية في البحرين، وعن استهداف خزانات وقود في مطار الكويت الدولي، إضافة إلى حادث بحري قبالة قطر.
اقتصادياً، تكشف المؤشرات أن الحرب باتت تضرب الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي مباشرة. فقد ذكرت رويترز أن إنتاج أوبك في مارس هبط إلى أدنى مستوى منذ ذروة جائحة كورونا في 2020 بسبب أزمة مضيق هرمز والحرب على إيران، كما ارتفع برنت إلى 118.35 دولاراً عند التسوية. وفي الولايات المتحدة، قالت أسوشيتد برس إن متوسط سعر البنزين تجاوز 4 دولارات للجالون للمرة الأولى منذ 2022، مع قفزات في الديزل وقلق متزايد بشأن تكاليف المعيشة. كما نقلت بلومبرغ عن دراسة أممية أن الحرب قد تمحو نحو 200 مليار دولار من نمو الشرق الأوسط، فيما تحدثت التلغراف عن إلغاء آلاف الرحلات بعد تضاعف وقود الطائرات، وأشارت بيانات السوق إلى تجاوز متوسط أسعار الغاز في أوروبا 600 دولار لأول مرة منذ 2023.
سياسياً، تتزايد مؤشرات الإرهاق الأمريكي. فبحسب رويترز، يرى ثلثا الأمريكيين أنه ينبغي إنهاء الحرب على إيران فوراً حتى لو لم تحقق أهدافها، بينما أكدت رويترز أيضاً أن إيطاليا رفضت استخدام قاعدة سيغونيلا في صقلية لعمليات أمريكية مرتبطة بالحرب. وفي الميدان السياسي الإسرائيلي نفسه، نقلت معاريف أن نتنياهو يدرك أن ترامب “يقترب من النهاية”، وأن تل أبيب تضغط عليه لتنفيذ عملية برية قصيرة وقوية قبل أي مفاوضات، في وقت باتت فيه وسائل إعلام العدو تتحدث عن محاولة أمريكية للخروج من الحرب “بكرامة نسبية” من دون استسلام إيراني.
في إيران، يقابل هذا الضغط العسكري الخارجي تعبئة داخلية كثيفة؛ فقد شهدت طهران ومدن أخرى مسيرات حاشدة دعماً للجمهورية الإسلامية ورفضاً للعدوان، بينما تحدثت وكالة فارس عن 5 ملايين متطوع في حملة “الروح فداء لإيران” خلال أقل من ثلاثة أيام، كما شدد قادة إيرانيون على أن نهاية هذه الحرب ستكون بطرد الأمريكيين من المنطقة وبداية نهاية الوجود الإسرائيلي، مع إسقاط مسيّرات أمريكية جديدة من طراز لوكاس شمالي البلاد.
أما في غزة ولبنان، فالمشهد الإنساني يزداد قتامة. وزارة الصحة في غزة أعلنت وصول 4 شهداء و12 جريحاً خلال 24 ساعة، لترتفع الحصيلة التراكمية منذ بدء العدوان إلى 72,289 شهيداً و172,040 جريحاً، فيما سقط في لبنان 4 شهداء و7 جرحى في غارات على سحمر، و4 شهداء بينهم سيدتان في غارة على النجارية، وسط استمرار القصف الإسرائيلي على بلدات الجنوب والبقاع.
الخلاصة أن الحرب انتقلت من مرحلة الضغط المتبادل إلى مرحلة الاستنزاف المتشعب: إيران تضرب العمق الإسرائيلي ومراكز النفوذ الأمريكية، حزب الله يضغط على الشمال المحتل بالقواعد والمسيّرات والصليات النوعية، اليمن فتح جبهة اشتراك صريح في الجنوب، والعراق يواصل ضرب القواعد الأمريكية. وفي المقابل، تتآكل صورة الردع الأمريكي الإسرائيلي تحت ضغط الخسائر، وارتفاع كلفة الحرب، واتساع الاعتراض الداخلي والخارجي. ما يجري الآن ليس مجرد تصعيد عابر، بل إعادة رسم لمعادلات القوة في المنطقة بالنار والاقتصاد والوقت.
