حملت كلمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمام منتدى فالداي تحذيراً مباشراً من انتقال المواجهة مع الغرب إلى استهداف الأراضي الروسية، وفي مقدمتها إقليم كالينينغراد الاستراتيجي على بحر البلطيق. وأكد بوتين أن موسكو قد تلجأ إلى جميع أنواع الأسلحة المتاحة في ترسانتها، بما فيها الأسلحة النووية، إذا تعرض الإقليم أو الأراضي الروسية لتهديد مباشر، مشدداً في المقابل على أن بلاده لا تخطط لمهاجمة أي دولة أوروبية. وجاء ذلك في ظل تحذير روسي لحلف شمال الأطلسي من أن محاولة عزل كالينينغراد أو قطع اتصالها ببقية روسيا قد تستدعي استخدام الردع النووي.
وتكمن خطورة كالينينغراد في موقعها الجغرافي والعسكري الفريد، فهي جيب روسي منفصل عن الكتلة الرئيسية للأراضي الروسية، يقع على بحر البلطيق بين بولندا وليتوانيا، العضوين في حلف الناتو والاتحاد الأوروبي. وكانت المنطقة تعرف تاريخياً باسم كونيغسبرغ وتشكل جزءاً من بروسيا الشرقية، قبل انتقالها إلى الاتحاد السوفياتي في نهاية الحرب العالمية الثانية.
ولا تقتصر أهمية الإقليم على موقعه الجغرافي، إذ يحتضن القاعدة الرئيسية لأسطول البلطيق الروسي في بالتييسك، إلى جانب منشآت عسكرية متقدمة، كما يمنح موسكو منفذاً بحرياً استراتيجياً لا يتجمد طوال العام. وبذلك يمثل كالينينغراد قاعدة روسية متقدمة في البلطيق، وفي الوقت نفسه منطقة حساسة بسبب انفصالها الجغرافي وصعوبة خطوط إمدادها واتصالها ببقية روسيا.
ولهذا، تنظر موسكو إلى أي محاولة لعزل كالينينغراد أو قطع طرق الاتصال والإمداد إليها باعتبارها تهديداً استراتيجياً مباشراً، خصوصاً مع قربها من ممر سوالكي بين بولندا وليتوانيا، الذي يربط دول البلطيق ببقية دول الناتو ويفصل كالينينغراد عن بيلاروسيا الحليفة لروسيا.
ويأتي التصعيد وسط تحركات أطلسية متزايدة حول الإقليم، إذ شاركت عشرات الطائرات التابعة لدول الناتو في عملية خلال أغسطس أظهرت قدرة الحلف على تعطيل اتصالات كالينينغراد وراداراتها ودفاعاتها الجوية في حال نشوب مواجهة، ما عزز المخاوف الروسية من سيناريو يستهدف عزل الإقليم أو شل قدراته العسكرية.
وفي السياق نفسه، تعمل ليتوانيا على تحصين بنيتها التحتية قرب الحدود الروسية، بما في ذلك إنشاء محطة كهرباء استراتيجية على بعد نحو 30 كيلومتراً من كالينينغراد مزودة بتحصينات وحماية من الطائرات المسيّرة والتخريب، في منطقة ترتبط بممر سوالكي ذي الأهمية العسكرية واللوجستية للحلف.
وتزامنت هذه التحركات مع تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في ليتوانيا، بينما زادت حوادث الطائرات المسيّرة في المجال الجوي الليتواني من حساسية الموقف العسكري في البلطيق.
وفي المقابل، يؤكد الأمين العام للناتو مارك روته أنه لا يوجد تهديد روسي وشيك لأراضي الحلف، وأن تحركات الناتو دفاعية، فيما ترى موسكو أن توسيع الانتشار العسكري الغربي قرب حدودها والتحركات المحيطة بكالينينغراد يرفعان مخاطر الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
وبذلك تبرز كالينينغراد باعتبارها إحدى أخطر نقاط الاحتكاك بين روسيا والناتو؛ فهي قاعدة متقدمة لأسطول البلطيق ومنفذ بحري روسي دائم، لكنها في الوقت نفسه جيب منفصل جغرافياً يمكن استهداف خطوط إمداده واتصالاته. ومع تصاعد النشاط العسكري الأطلسي حول الإقليم، وتحذيرات موسكو من عزله، يتحول البلطيق إلى ساحة شديدة الحساسية قد يؤدي فيها أي تصعيد غير محسوب إلى أزمة أوسع بين روسيا والناتو.
