ذات صلة

الأكثر مشاهدة

في ذكرى “شهيد القرآن”: من التاريخ إلى الحاضر.. حين تحولت المسيرة القرآنية إلى قوة اقليمية

في هذه الذكرى المباركة لا تُستعاد سيرة رجل غاب جسده، بل يُستحضر مشروع ما زال حياً، يتجدد مع كل معركة وعي، وكل صرخة في وجه الاستكبار، وكل موقف يمني حر يرفض الخضوع.

كان السيد حسين الحوثي حالة فكرية قرآنية أعادت الاعتبار للقرآن بوصفه كتاب هداية وموقف، لا كتاب تلاوة معزول عن الواقع. قرأ القرآن قراءة حركية، أخلاقية، سياسية، تربط الإيمان بالمسؤولية، والعقيدة بالفعل، والعبادة بالتحرر من الطغيان.

في زمن كانت فيه الأمة تُدفع دفعاً نحو الاستسلام، وتُختزل فيه العلاقة مع القرآن في الطقوس، جاء مشروع حسين الحوثي ليطرح سؤالاً جوهرياً:
لماذا نُهزم ونحن نملك هذا الكتاب؟
وكان جوابه العملي: لأننا عطلنا القرآن عن دوره في بناء الإنسان الحر، الواعي، المقاوم.

“الصرخة”: وعي مبكر بطبيعة الصراع

حين أطلق السيد حسين الحوثي “الصرخة في وجه المستكبرين”، لم تكن شعاراً انفعالياً، بل تشخيصاً مبكراً لطبيعة الصراع العالمي، في لحظة كانت فيها الأنظمة العربية والإسلامية تتسابق لنيل رضا واشنطن، وتبرير الهيمنة الأميركية، والتطبيع مع المشروع الصهيوني.

قرأ المشهد بوضوح:
الولايات المتحدة ليست “وسيطًا” بل رأس الحربة في مشروع إخضاع الأمة، و”إسرائيل” ليست كياناً طارئاً، بل أداة متقدمة في هذا المشروع. ومن هنا جاءت الصرخة بوصفها فعل تحصين وعي، قبل أن تكون هتافاً في الشارع.

لم يُستهدف حسين الحوثي لأنه حمل السلاح فحسب، بل لأنه حمل الوعي. واستُهدف المشروع لاحقاً لأنه أنتج قيادة لم تُساوم، ولم تُرهَب، ولم تُشترَ. كان الهدف كسر حالة الوعي لكنها صمدت، وانتقلت من المؤسس إلى القائد، ومن الفكرة إلى الدولة. حتى بعد استشهاده تم احتجاز جثتته لتسع سنوات وقصف التحالف السعودي الامريكي الغاشم ضريحه في 13 غارة، حتى رفاته كانت تغيظهم.

من صعدة إلى الإقليم
ما بين صعدة المحاصرة عام 2004، والبحر الأحمر الذي تحول اليوم إلى ساحة مواجهة مفتوحة مع الأساطيل الأميركية، خيطٌ واحد لم ينقطع، القرآن حين يُستعاد كمرجعية سيادية يصبح قوة ردع. ما بدأه حسين الحوثي كتربية وعي، وبناء موقف، وتشخيص لطبيعة العدو، تحول بفعل التراكم والصبر والدم إلى قوة إقليمية فعلية.

المسيرة القرآنية التي حوربت، وسُخِر منها، وصُنفت إرهاباً، أصبحت الدولة الوحيدة في العالم التي وقفت عملياً لا خطابياً في وجه العربدة الأميركية، وكشفت هشاشة الهيبة الإمبراطورية، وكسرت صورة “فرعون هذا العصر” دونالد ترامب، وأجبرته على الاعتراف بالفشل والانسحاب. ولم تقف عند حدود السيادة اليمنية، بل أعادت تعريف معنى الالتزام القومي والإسلامي: وقفت إلى جانب غزة بالفعل، وفرضت معادلة ردع جديدة، وضربت تل أبيب، وربطت اليمن بفلسطين ربط النار بالنار، في لحظة صمت عربي رسمي مخز، وتواطؤ مكشوف.

السيد القائد عبدالملك الحوثي: حامل المشروع وحارس بوصلته

لم يكن استشهاد حسين الحوثي نهاية المشروع، لأن المشروع كان قد أنتج حاملَه التاريخي. تولى السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي المسؤولية في أصعب لحظة، شاباً مطارداً، محاصراً، في مواجهة تحالف داخلي–إقليمي–دولي أراد سحق الفكرة قبل أن تتجذر. لكنه لم يقد الحركة كزعيم طارئ، بل كوريث واعٍ للمسيرة القرآنية، حافظ على جوهرها، ووسع أفقها، ومنع انحرافها نحو العصبية أو التسوية.

تميزت قيادة السيد عبدالملك بثلاث سمات حاسمة:
أولًا، الثبات على المرجعية القرآنية بوصفها مصدر القرار السياسي والعسكري والأخلاقي، لا مجرد خطاب تعبوي.
ثانيًا، التحول من حركة مقاومة إلى مشروع دولة، تبني مؤسساتها تحت النار، وتدير حربًا شاملة دون أن تفقد بوصلتها تجاه العدالة الاجتماعية والاستقلال.
ثالثًا، الربط العضوي بين اليمن وفلسطين، ليس كشعار تضامني، بل كجزء من تعريف الصراع وموقع اليمن فيه.

تحت قيادته، لم تعد المسيرة القرآنية فعل دفاع، بل مبادرة استراتيجية أربكت الولايات المتحدة، وفرضت معادلات جديدة في البحر الأحمر، وكشفت أن ميزان القوة لا يُقاس بعدد حاملات الطائرات، بل بوضوح القضية واستعداد الشعوب لدفع ثمنها. وفي لحظة اختبار تاريخية، كان السيد عبدالملك الحوثي القائد العربي الوحيد الذي ترجم موقفه من غزة إلى قرار عسكري وسيادي، بينما اختارت الأنظمة الأخرى السلامة مع واشنطن وتل أبيب.

استشهاد السيد حسين الحوثي عام 2004 لم يُغلق صفحة، بل فتح كتابًا كاملاً من دمه ووصاياه، ومن قيادة السيد عبدالملك الحوثي، تبلورت حركة أنصار الله بوصفها امتدادًا حياً لمشروع قرآني تحرري، لا ظاهرة عسكرية عابرة.

واليوم، بعد أكثر من عقدين، يتضح أن ما وُصف يومًا بالتمرد كان في جوهره استعادة للسيادة، وإعادة تعريف للكرامة، وبناء لإنسان لا يركع إلا لله.

ـــــــــــــــــ
جفرا

spot_imgspot_img