ذات صلة

الأكثر مشاهدة

مجلس الشرق الأوسط: اليمن قادر على تجاوز المرحلة الحرجة شرط كبح التصعيد وتفكيك صراعات أدوات العدوان

قال “مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية” في تقرير مطوّل إن اليمن يمرّ بمرحلة دقيقة تحت وطأة “الأزمة والحصار” وتجدّد الصراعات بين الأطراف التي تحالفت ضدّه خلال السنوات العشر الماضية، محذرًا من أن البلاد “لا يمكن أن تتحمّل حربًا أخرى تقتل وتشرد وتشوه الأبرياء”، ومؤكدًا أن “ضبط النفس والحوار الشامل والحفاظ على التماسك المؤسسي” باتت خياراتٍ حتمية لحماية ما تبقى من الأسس السياسية والاقتصادية، خصوصًا مع تصاعد التوترات في الجنوب وما يرافقها من محاولات فرض وقائع بالقوة.

وأكد التقرير أن اليمن، بعد أسابيع قليلة شهدت تغيّرات حادة في خارطته السياسية، يقف من جديد عند “مفترق طرق خطير”، وأن خطر التصعيد وتجدد المواجهة “لا يزال قائمًا” رغم الجهود الرامية لمنعه، لافتًا إلى أن التطورات الأخيرة كشفت “ضيق هامش الخطأ” وأن أي انزلاق سياسي قد يقلب الوضع الهش إلى “حالة عدم استقرار” ذات تداعيات واسعة على اليمن والمنطقة، مع تحذير صريح من أن “الفشل في خفض التصعيد في هذه اللحظة” قد يفتح الباب لنتائج يصعب احتواؤها.

وأشار المجلس إلى أن تقدّم القوات الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا في مطلع ديسمبر نحو حضرموت والمهرة، بما تمثلانه من ثقل استراتيجي، أثار “ردًا عسكريًا سعوديًا حادًا”، في مشهد يفضح طبيعة التحالفات الهشّة ويؤكد أن معسكر العدوان وأدواته ليسوا كتلة واحدة، بل مراكز نفوذ متنافسة تتصارع على الجغرافيا والقرار والثروة، وأن هذه اللحظة الحساسة تفرض الحاجة إلى “دبلوماسية فعّالة” تمنع انهيار ما تبقى من ركائز الدولة والاقتصاد.

وأكد التقرير أن اليمن “لا يمكن أن يتحمل جولة أخرى من القتال”، ناهيك عن قتالٍ بين قوات يُفترض أنها متحالفة، موضحًا أن الاقتصاد اليمني تدهور تدريجيًا طوال عقد الحرب، وأن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي انخفض بنحو 58%، فيما يواجه قرابة 49% من السكان “انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي”، مع الإشارة إلى أن اليمن صار من بين أفقر دول العالم، في وقت تعاني فيه خطة الأمم المتحدة للاستجابة الإنسانية لعام 2025 من تمويل لا يتجاوز 25%، وهو ما يجعل أي اضطراب إضافي في الموانئ والمعابر والمجال الجوي والتنسيق الإداري قنبلةً مباشرة على الغذاء والوقود والخدمات الأساسية.

وشدد المجلس على أن “ضبط النفس والدبلوماسية ليستا فضائل سياسية فحسب، بل ضرورة مادية”، لأن مؤشرات التشرذم—سواء كانت حقيقية أو مُتخيّلة—تضرب الثقة بالعملة، وتعطّل واردات الوقود والسلع، وتُضعف مصادر الإيرادات الهشة، بينما تمتد الكلفة الإنسانية بسرعة، مؤكدًا أن الحفاظ على الاستمرارية الاقتصادية ووصول المساعدات يتطلب إدراكًا واضحًا بأن التصعيد، مهما بدا محدودًا أو محليًا، “يحمل عواقب وطنية”.

ورأى التقرير أن اليمن في هذه المرحلة لا يحتاج إلى “بيانات شاملة أو اتفاقيات كبرى” بقدر ما يحتاج إلى “عمل منضبط لبناء الثقة”، مع التشديد على أن قادة اليمن مطالبون بإثبات أن مبدأ ضبط النفس ليس مجرد إدارة أزمة عابرة، بل “معيار حكم” يقدّم استمرارية المؤسسات والتماسك الاجتماعي على المكاسب السياسية قصيرة الأجل، بما يشمل تجنّب الخطوات الأحادية التي تعرقل الحوار، ورفض تحويل الأدوات الاقتصادية أو الإنسانية إلى أوراق ضغط، محذرًا من أن الفشل لا يعني فقط تدهورًا جديدًا، بل “تهميش شرائح” تنتظر حلولًا سياسية، ما قد يفتح الباب أمام حراكٍ خارج الأطر المؤسسية ويُرسّخ الانقسام بدل بناء دولة أكثر استقرارًا.

وختم المجلس بالتأكيد أن خيار “ضبط النفس بدل التصعيد، والشمول بدل الإقصاء، والاستقرار بدل الفوضى” يمكن أن يمكّن اليمن من عبور هذه المرحلة الحرجة وتجنب أزمات أعمق، محذرًا من أن البديل سيكون “صعب السيطرة”، وأن اليمنيين بعد عقد من الحرب “لم يعودوا قادرين على تحمّل المزيد من المعاناة” الناتجة عن سوء الإدارة السياسية، في إشارةٍ تُقرأ بوضوح كإدانة لمسار العبث الذي صنعته أدوات العدوان وأجنداته المتصارعة على حساب اليمن وأمنه ووحدته.

spot_imgspot_img