في تصعيدٍ أوروبيٍّ جديد يُقرأ في طهران بوصفه اصطفافًا مكشوفًا خلف واشنطن وكيان الاحتلال، أعلن الاتحاد الأوروبي فرض عقوبات على وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني والمدعي العام محمد موحدي آزاد والقاضي إيمان أفشاري، بالتزامن مع إعلان الممثلة العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس أن وزراء خارجية الاتحاد اتفقوا على تصنيف الحرس الثوري الإيراني “منظمة إرهابية”، في خطوةٍ وصفتها دوائر إيرانية بأنها انتقالٌ من سياسة الضغط إلى سياسة “تأجيج الصراع” ودفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع.
وبرّر الاتحاد قراره باتهاماتٍ تتصل بقمع احتجاجات واعتقالات، فيما اعتبر وزير الخارجية الألماني أن التصنيف “رسالة سياسية قوية” إلى طهران، لكن الرد الإيراني جاء حادًا ومباشرًا: إذ قال وزير الخارجية عباس عراقجي إن أوروبا ترتكب “خطأً استراتيجيًا فادحًا” بتصنيفها “قواتنا الوطنية” منظمةً إرهابية، محذرًا من أن الموقف الأوروبي الحالي “يضرّ بمصالحه ضررًا بالغًا”، ومضيفًا أن أوروبا “منشغلة بتأجيج الصراع” وأنه “لا توجد أي دولة أوروبية تعمل على تجنب حرب شاملة”، في توصيفٍ يضع العواصم الأوروبية في خانة المموّل السياسي للانفجار بدل أن تكون صمّام أمان.
وفي لهجةٍ تتعمد كشف الازدواجية، اتهم عراقجي أوروبا بـ”النفاق والمسرحية الإعلامية” قائلًا إن القارة التي لم تتحرك عمليًا أمام “الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة” تُسارع اليوم لرفع لافتات حقوق الإنسان ضد إيران، محذرًا من أن أي “حرب شاملة” سترتد على أوروبا نفسها، خصوصًا عبر أسعار الطاقة وتداعيات الأمن البحري وسلاسل الإمداد.
وميدانيًا، جاءت الإشارات الإيرانية على قاعدة “الردع قبل الانفجار”: فقد أكد نائب قائد الحرس الثوري أن إيران “لا تخشى التهديدات” وأنها منعت “العدو” من المغامرة بفضل “قوة الردع وإرادة الشعب”، مشددًا على أن محاولات تصوير إيران كطرف ضعيف هي محض تضليل، وأن “أعداءنا يعانون من الارتباك”. وعلى خطٍ موازٍ، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير الألماني على خلفية “تصريحات مسيئة” من مستشار ألمانيا ومواقف وُصفت بأنها استفزازية بحق القوات المسلحة الإيرانية، في رسالة بأن طهران لن تسمح بتحويل الخطاب الأوروبي إلى غطاء لإجراءاتٍ عدائية ثم طلب “تهدئة” لاحقًا.
وبالتزامن مع هذا الاشتباك السياسي، برزت مؤشرات ردعٍ بحرية ذات دلالة ثقيلة: مصادر إيرانية تحدثت عن مناورات بحرية مرتقبة ستجريها طهران مع بكين وموسكو في بحر عُمان والمحيط الهندي خلال أيام، وهي خطوة تُقرأ كترجمة عملية لفكرة أن حصار إيران سياسيًا سيقابله توسيع دوائر الشراكة الاستراتيجية في نقاط تماس حساسة للملاحة العالمية.
وفي الداخل العسكري، قالت وكالة “تسنيم” إن قائد الجيش أمر بتعزيز قواته بـ“ألف طائرة مسيّرة استراتيجية” صُممت وفق التهديدات الحديثة ودروس “حرب الاثني عشر يومًا”، وتتضمن مهام الهجوم والتدمير والاستطلاع والحرب الإلكترونية، مع قابلية استهداف أهداف ثابتة ومتحركة في البحر والجو والبر، فيما أكد قائد الجيش أن الأولوية هي الحفاظ على المزايا الاستراتيجية وتطويرها بما يضمن الرد السريع على أي اعتداء.
وفي قراءةٍ سياسية موازية، شدد رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على أن إيران تؤمن بالحوار والدبلوماسية القائمة على الثقة والاحترام بدل لغة التهديد، داعيًا الرئيس الأمريكي إلى إبعاد “دعاة الحرب” ومن يطالبون إيران بالاستسلام إذا كان يريد تفاوضًا حقيقيًا وسلامًا، في محاولة لتثبيت معادلة أن طهران لا تغلق باب السياسة، لكنها ترفض أن يتحول التفاوض إلى إملاءٍ تحت فوهة التهديد.
وعلى الضفة الأخرى من الصورة، تتقاطع هذه التطورات مع تسريبات أمريكية عبر “أكسيوس” عن أن طهران لا تبدو مهتمة باتفاقٍ وفق “الشروط القصوى”، ومع حديثٍ عن تبادل معلومات استخبارية بين واشنطن ووفدٍ إسرائيلي بشأن “أهداف محتملة” داخل إيران، ما يعزز الانطباع الإيراني بأن التصعيد الأوروبي ليس حدثًا منفصلًا بل جزءٌ من بيئة تمهيد سياسية وإعلامية واستخبارية لرفع سقف الضغط—لكن طهران ترد بإشارةٍ واحدة لا لبس فيها: أي محاولة لعزل إيران ستقابلها إيران بتوسيع معادلة الردع، من البر إلى البحر، ومن السياسة إلى التكنولوجيا، ومن الشراكة إلى الجاهزية.
