تحت عباءة “الأمن البحري” تعود غرف الرياض إلى إنتاج المؤامرة بصيغةٍ مموّهة، عبر تنسيقٍ سعودي–بريطاني جديد يهدف إلى عسكرة البحر الأحمر وإحياء أدوات الوصاية التي سقطت ميدانيًا أمام معادلة الردع التي فرضتها صنعاء، في لحظةٍ إقليمية مشحونة تتزامن مع مؤشرات تصعيد أمريكي مرتقب ضد إيران، ما يجعل البحر الأحمر – مجددًا – أحد مسارح التحضير والتموضع لا “حماية الملاحة” كما تزعم الدعاية الغربية.
مصادر مطلعة أفادت بأن لقاءً عُقد في الرياض، الخميس 29 يناير، جمع السفيرة البريطانية لدى اليمن “عبدة شريف” مع مسؤولين في نظام الرياض وواجهاته من المرتزقة تحت عنوان “شراكة الأمن البحري”، غير أن المضمون – وفق قراءات سياسية – يتجاوز التنسيق البروتوكولي إلى محاولة رسم غرفة تشغيل بحرية تُقدّم كغطاءٍ لإدخال أذرع أجنبية عبر ما يسمى “خفر السواحل” التابع للمرتزقة، بما يحول البحر الأحمر إلى ساحة تدخل دولي مباشر، ويمنح لندن موطئ قدمٍ عملي في معركة النفوذ والطرق البحرية.
اللافت أن اللقاء ناقش تفعيل “صندوق المساعدة الفنية” المعروف باسم (TAFFY)، وهو عنوان يبدو “تقنيًا” ظاهريًا لكنه يُستخدم – وفق مراقبين – كقناة تمويل وإدارة أمنية من خلف الستار، لإعادة تدوير أدوات العجز في الجنوب والساحل، وإعادة ترتيب مسارات التسلح والتدريب والاستخبارات بما يخدم خطة أوسع: تأمين الخاصرة البحرية للتحالف الأمريكي–البريطاني إذا ما انفتح مسرح المواجهة مع إيران، أو إذا قررت واشنطن تحويل البحر الأحمر إلى خط إمداد عسكري وإلكتروني في أي حرب قادمة.
ومن زاوية صنعاء، فإن توقيت هذا الحراك ليس تفصيلاً، بل يتقاطع مع ذروة التهديدات الأمريكية لطهران وحشد الحاملات والمنظومات الدفاعية في الإقليم، ما يفسر سعي الرياض ولندن لتجهيز “بيئة بحرية” بديلة تُخفف كلفة أي ردّ إقليمي محتمل، وتمنح واشنطن مساحة مناورة في باب المندب والبحر الأحمر بعيدًا عن الضربات الدقيقة التي أثبتت صنعاء قدرتها على فرضها. هنا بالذات يظهر وجه المشروع الحقيقي: تطويق مسارات الإسناد اليمني للمقاومة وخلق شرعية زائفة لتدويل البحر الأحمر قبل أن يتحول إلى نقطة ضغط كبرى في حال توسع المواجهة نحو إيران.
وبينما تحاول بريطانيا الظهور كـ“شريك أمن” فإن السجلّ الاستعماري – القديم الجديد – يطل بوضوح: تدخلٌ سيادي، إدارةٌ أمنية عبر المال السعودي، وشرعنةٌ لوجود مرتزق تحت مظلة “مؤسسات” شكلية. إنها محاولة لاستعادة ما فقده العدوان طوال سنوات: القدرة على التحكم بالممرات وابتزاز المنطقة عبر التجارة والطاقة، بعدما أسقط اليمن هيبة الأساطيل وفرض معادلة “الردع مقابل العدوان”.
وفي المقابل، تؤكد صنعاء – سياسيًا وميدانيًا – أن البحر الأحمر ليس ساحةً مفتوحة للتأجير ولا منصةً لتمرير أجندة واشنطن ولندن، وأن أي مسار لعسكرة البحر تحت لافتة “الأمن” سيُقرأ كعملٍ عدائي مباشر، وأن أدوات المرتزقة التي تُستخدم كحصان طروادة لن تصنع “سيادة” بل ستستجلب مزيدًا من الانكشاف والارتداد.
الخلاصة أن ما يجري في الرياض ليس شراكةً لحماية الملاحة، بل محاولة استباقية لإعادة تموضع العدوان في البحر الأحمر قبل انفجار الإقليم، ومحاولة لتأمين خطوط واشنطن إذا قررت إشعال مواجهة مع إيران، غير أن هذه الحسابات تصطدم بحقيقة واحدة: اليمن لم يعد ساحة نفوذ، بل صار مركز قرار وردع، ومن يختبر البحر الأحمر سيكتشف أن زمن “الوصاية” انتهى، وأن كلفة العبث أعلى من قدرة التحالف على الاحتمال.
