دخل التوتر بين أفغانستان وباكستان مرحلة أكثر خطورة بعد إعلان سلطات كابل تنفيذ هجمات انتقامية واسعة على مواقع عسكرية باكستانية على طول خط ديوراند، ردًا على الغارات الجوية الباكستانية الأخيرة داخل الأراضي الأفغانية، في حين أكدت إسلام آباد أنها ردّت على ما وصفته بـإطلاق نار غير مبرر، مع تلويحها بإطلاق عملية عسكرية متكاملة ضد ما تسميه “معسكرات الإرهاب” داخل أفغانستان. وتؤكد المعطيات المتقاطعة من الطرفين ووكالات الأنباء أن الاشتباكات امتدت إلى عدة قطاعات حدودية، من بينها محيط معبر طورخم، بما يعكس انتقال الأزمة من مستوى القصف المحدود إلى احتكاك عسكري مباشر يهدد بتوسيع رقعة المواجهة.
وبحسب الرواية الأفغانية، فإن القوات التابعة لحكومة كابل شنّت عمليات هجومية واسعة النطاق على قواعد ومنشآت عسكرية باكستانية في عدة نقاط حدودية، وقدّم متحدثون أفغان أرقامًا مرتفعة عن الخسائر في صفوف القوات الباكستانية والسيطرة على مواقع حدودية، بينما نفت باكستان هذه المزاعم وقدمت رواية مضادة تؤكد أن قواتها دمّرت مواقع ونقاطًا أفغانية بعد تعرضها لإطلاق نار من الجانب الآخر. هذا التباين الحاد في الروايات لا يلغي حقيقة أساسية، وهي أن الحدود تحولت خلال الساعات الماضية إلى ساحة اشتباك مفتوح تتجاوز المناوشات التقليدية التي شهدتها الشهور الماضية.
وجاء هذا التصعيد بعد أيام فقط من الغارات الباكستانية داخل شرق أفغانستان، والتي قالت إسلام آباد إنها استهدفت مواقع مرتبطة بـطالبان باكستان وتنظيم الدولة – خراسان، بينما أكدت كابل والأمم المتحدة أن الضربات أوقعت ضحايا مدنيين بينهم قتلى وجرحى، ووصفتها حكومة أفغانستان بأنها انتهاك للسيادة والقانون الدولي. ووفق بعثة الأمم المتحدة في أفغانستان، قُتل 13 مدنيًا على الأقل وأصيب آخرون في تلك الضربات، في حين تحدثت السلطات الأفغانية عن سقوط نساء وأطفال بين الضحايا. هذا التطور رفع مستوى الغضب في كابل ومهّد لانتقال الرد من المستوى السياسي إلى الرد العسكري المباشر.
من الجانب الباكستاني، يرتبط التصعيد الأخير بسلسلة هجمات دامية داخل إقليم خيبر بختونخوا، كان آخرها تفجير انتحاري في بانو أدى إلى مقتل ضابط برتبة مقدم وجندي آخر، إلى جانب هجمات أخرى في باجور ومناطق حدودية، وهي وقائع تستخدمها إسلام آباد لتبرير خطابها القائل إن التهديدات المسلحة تنطلق من داخل الأراضي الأفغانية، ولا سيما من شبكات مرتبطة بـحركة طالبان الباكستانية (TTP). وقد كررت باكستان في بياناتها الأخيرة أنها لن تبدي “أي ضبط نفس” إذا استمرت الهجمات، ما يكشف أن المؤسسة العسكرية الباكستانية تميل إلى توسيع قواعد الاشتباك بدل الاكتفاء بالرد الموضعي.
في المقابل، ترفض كابل هذه الاتهامات وتصرّ على أن الضربات الباكستانية استهدفت مناطق مدنية ومدارس دينية ومنازل، وأن ما يجري ليس “مكافحة إرهاب” بل ضغط عسكري وسياسي يحمّل أفغانستان ثمن الأزمة الأمنية الداخلية الباكستانية. كما أن استخدام تعبير “الرد الانتقامي” في الخطاب الرسمي الأفغاني يعكس تحولًا مهمًا في الموقف: من الاحتجاج الدبلوماسي على الانتهاكات الباكستانية إلى إظهار القدرة على الرد بالنار على طول الحدود.
القراءة السياسية-العسكرية لما يجري تشير إلى أن الأزمة لم تعد محصورة في حادث أمني واحد، بل أصبحت مرتبطة بجذرين عميقين: أولهما ملف خط ديوراند الذي لا تعترف به أفغانستان رسميًا، ما يجعل أي بناء عسكري أو تحرك حدودي مرشحًا للتحول إلى شرارة اشتباك، وثانيهما ملف الجماعات المسلحة العابرة للحدود، حيث ترى باكستان أن كابل لا تضبط أو لا تريد ضبط نشاط خصومها على الأراضي الأفغانية، بينما ترى أفغانستان أن باكستان تستخدم هذه الذريعة لتبرير عمليات قصف وتوغلات تضرب السيادة وتُنتج مزيدًا من الفوضى. ومع بقاء هذين الملفين دون حل، فإن أي هدنة تبقى هشة وقابلة للانهيار بسرعة.
وتزداد خطورة المشهد مع تعثر جهود التهدئة السابقة. فالاتفاقات التي توسطت فيها قطر خلال الفترات الماضية لم تنهِ التوتر، وجولات المحادثات التي عُقدت أواخر العام الماضي لم تُفضِ إلى تفاهم رسمي دائم، كما أن التبادل المتكرر لإطلاق النار على طول الحدود أبقى المنطقة في حالة استنزاف منخفض الشدة سرعان ما تحولت الآن إلى مواجهة أكثر سخونة. ومع الحديث الباكستاني عن عملية عسكرية متكاملة، يصبح الاحتمال الأبرز هو انتقال الأزمة من الاشتباك الحدودي إلى حملة ضغط عسكري منظم قد تشمل غارات إضافية أو قصفًا مدفعيًا أوسع أو محاولات تطويق ميدانية في نقاط حساسة.
اقتصاديًا وإنسانيًا، يحمل التصعيد أيضًا مخاطر كبيرة، لأن معبر طورخم ليس مجرد نقطة حدودية عسكرية، بل شريان تجارة وحركة وسفر حيوي للطرفين، خصوصًا لأفغانستان التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات عبر باكستان. وأي توسع في الاشتباكات حول هذا المعبر أو غيره من المعابر سيفتح الباب أمام شلل تجاري وضغط إنساني متجدد في بيئة تعاني أصلًا من هشاشة اقتصادية وأمنية عالية. وقد شهدت هذه المعابر في السنوات الأخيرة إغلاقات متكررة بسبب النزاعات الحدودية، ما يجعل العودة إلى هذا السيناريو أمرًا مرجحًا إذا استمرت المواجهة الحالية.
خلاصة المشهد أن الحدود الأفغانية الباكستانية تقف اليوم على حافة مواجهة أوسع من المعتاد: كابل تريد تثبيت معادلة تقول إن الغارات لن تمر دون رد، وإسلام آباد تريد فرض معادلة تقول إن الضغط العسكري سيستمر ما دامت ترى التهديدات تتسلل من الجهة المقابلة. وبين هاتين المعادلتين، يتراجع هامش التهدئة ويزداد خطر الانزلاق إلى جولة اشتباك ممتدة لا تقتصر على تبادل نار حدودي، بل قد تعيد فتح واحدة من أكثر الجبهات الآسيوية هشاشة وتعقيدًا.
