دخلت المواجهة في يومها الثالث عشر طورًا أشدّ وضوحًا وحسمًا، بعدما رسّخت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سياسيًا وعسكريًا، أن القيادة الجديدة لم تأتِ لإدارة مرحلة احتواء أو تهدئة، بل لقيادة مرحلة تثبيت الردع وتوسيع كلفة العدوان على واشنطن وتل أبيب. وفي هذا السياق، بدت توجيهات قائد الثورة الإسلامية السيد مجتبى الحسيني الخامنئي الإطار الجامع للمشهد كله، من البحر إلى الصواريخ إلى الحضور الشعبي، إذ أكد بوضوح أن إيران لن تتخلى عن الثأر لدماء الشهداء، وأن إغلاق مضيق هرمز يجب أن يستمر، وأن استهداف القواعد العسكرية الأمريكية سيتواصل ما دام العدوان منطلقًا منها، مع التشديد على أن إيران مؤمنة بالصداقة مع الجيران ولا تستهدف الدول، بل القواعد المعتدية فقط، وأن جبهة المقاومة جزء لا يتجزأ من قيم الثورة الإسلامية ومن معركة الدفاع عن الأمة في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني.
هذه التوجيهات تُرجمت سريعًا في الميدان. فقد أعلن قائد القوة البحرية في حرس الثورة الإسلامية الأدميرال علي رضا تنكسيري أن قواته، تلبية لأوامر القائد العام للقوات المسلحة السيد مجتبى الخامنئي، ستُبقي مضيق هرمز مغلقًا، وستوجه أشد الضربات للعدو المعتدي. وجاء ذلك متطابقًا مع ما أكده مقر خاتم الأنبياء من أن مضيق هرمز تحت إدارة إيران بلا أدنى شك وبدون لحظة غفلة واحدة، في رسالة تؤكد أن طهران لم تعد تتعامل مع المضيق بوصفه مجرد ممر مائي، بل بوصفه ورقة سيادية واستراتيجية كبرى في صلب الحرب، ومعيارًا مباشرًا لميزان الردع الإقليمي والدولي. وزاد هذا المعنى حضورًا مع إعلان الحرس الثوري استهداف سفينة sefa sia المملوكة لأمريكا والتي ترفع علم جزر المارشال في شمال الخليج العربي بعد تجاهلها تحذيرات القوات البحرية، مقرونًا بتحذير لجميع السفن والناقلات بوجوب الالتزام بالقوانين والأنظمة الخاصة التي تحددها إيران في ظروف الحرب.
وفي البعد العسكري المباشر، تصاعدت الضربات الإيرانية على القواعد الأمريكية في المنطقة بصورة نوعية. فقد أعلنت العلاقات العامة لحرس الثورة أن القوة البحرية نفذت موجتين من الهجمات على مقر الأسطول الخامس الأمريكي في قاعدة ميناء سلمان، مستخدمة الصواريخ والمسيرات، وأصابت منظومة “ليدز” المضادة للطائرات المسيرة، ومراكز صيانة وتخزين الزوارق المسيرة عن بعد، ومعدات الدعم، وخزانات الوقود، ومراكز تجمع الجنود الأمريكيين، مؤكدة أن القاعدة أُصيبت بدقة عالية عبر طيف متنوع من الوسائط يشمل الطائرات المسيّرة، والصواريخ الباليستية، وصواريخ الكروز. وتكامل هذا مع إعلان التلفزيون الإيراني عن هجوم صاروخي استهدف قاعدة الاحتلال الأمريكي في البحرين، ومع تقارير الحرس عن تنفيذ الموجة الأربعين من “الوعد الصادق 4” بالتعاون مع قوى المقاومة الإسلامية باستخدام صواريخ قادر وعماد وخيبر وفتح ضد أهداف في تل أبيب والقدس وحيفا وقواعد أمريكية في المنطقة.
الجيش الإيراني من جانبه شدد على أن الرسالة التوجيهية الأولى الصادرة عن القائد الأعلى للقوات المسلحة تشكل أمرًا حاسمًا في مواجهة أعداء الوطن، وأنها وصلت بوضوح وصوت عالٍ إلى الوحدات المقاتلة، مؤكداً أن مقاتليه جددوا العهد والولاء، وأنهم سيواصلون القتال بلا هوادة ضد المعتدين والمجرمين، بإرادة أشد قوة وصلابة من أي وقت مضى، وأن الجيش جنبًا إلى جنب مع حرس الثورة سيبقى صامدًا حتى آخر نفس دفاعًا عن استقلال الوطن ووحدة أراضيه ونظام الجمهورية الإسلامية. وفي ترجمة عملية لهذا الخطاب، أعلن الجيش الإيراني أنه قصف أهدافًا في قاعدتي بالماخيم الجوية وعويدا ومقر الشاباك في الأراضي الفلسطينية المحتلة، موضحًا أن تدمير جزء من منشآت الرادار التابعة للعدو في المراكز الحساسة جعل مواصلة العمليات أسهل وأكثر دقة، وأن الجيش بات قادرًا على استهداف أفضل للنقاط المهمة والحساسة في الكيان الإسرائيلي.
وفي العمق الإسرائيلي، أظهرت الساعات الممتدة من ليل الحادي عشر إلى نهار الثاني عشر من مارس تزامنًا ناريًا كثيفًا بين إيران والمقاومة في لبنان، بحيث بدا أن يوم الحرب الثالث عشر قد حمل إيقاعًا مشتركًا وواسعًا أربك منظومات العدو على طول الجبهة. فقد دوت صفارات الإنذار في حيفا، ونهاريا، وكريات شمونة، والمطلة، وأفيفيم، وديشون، والمالكية، والجليل الأعلى، والمنطقة الصناعية في عكا، وإيلات، وتل أبيب ومحيطها، فيما تحدثت وسائل إعلام العدو عن هجوم صاروخي متزامن من إيران ولبنان، وعن فشل دفاعاته في اعتراض الصواريخ في أجواء وسط فلسطين المحتلة. وأظهرت مشاهد سقوط صاروخ إيراني بشكل مباشر في تل أبيب وحدوث انفجار عنيف أن العمق الصهيوني ما يزال مكشوفًا رغم كل الضجيج الأمريكي حول الدفاعات والاعتراض.
وفي موازاة ذلك، وسّعت المقاومة الإسلامية في لبنان هجماتها بشكل لافت. فقد أعلنت قصف كريات شمونة ونهاريا بصليات صاروخية ضمن سلسلة عمليات “العصف المأكول”، ثم استهدفت قاعدة مسغاف وشركة يوديفات للصناعات العسكرية الصهيونية بعشرات الصواريخ، وقصفت مقر قيادة المنطقة الشمالية في قاعدة دادو وقاعدة عين زيتيم شمال صفد المحتلة، ثم قاعدة حيفا البحرية وقاعدة طيرة الكرمل في مدينة حيفا، قبل أن تعود لتضرب المطلة وأفيفيم وشتولا بالمسيّرات والصليات. ووصل الأمر إلى سقوط صواريخ أطلقت من لبنان في بني براك وسط الكيان، بينما كشف موقع والاه أن حزب الله أطلق 220 صاروخًا في الليلة الماضية وحدها، بينها 100 صاروخ خلال دقائق. كما واصل الحزب استهداف القوات المتقدمة على الحدود، وأعلن تكرار ضربات خلّة المحافر والعديسة وعيترون، ثم وسّع المدى إلى أهداف حساسة مثل محطة الأقمار الصناعية التابعة لشركة SES في بيت شيمش ومحطة الاتصالات الفضائية التابعة لشعبة الاتصالات والدفاع السيبيري في جيش العدو في وادي إيلا، وأخيرًا قاعدة الرملة، قاعدة قيادة الجبهة الداخلية، جنوب شرق تل أبيب.
هذا التداخل بين النار الإيرانية ونار جبهة الإسناد اللبنانية منح طهران عمقًا إضافيًا في تنفيذ توجيهات السيد مجتبى الخامنئي حين أكد أن تعاون مكونات جبهة المقاومة معًا يقصّر الطريق للخلاص من الفتنة الصهيونية، وأن إذا استمر الوضع الحربي سيتم تفعيل جبهات لا يملك العدو فيها خبرة. كما أن إشادة مقر خاتم الأنبياء بـ الهجمات المؤثرة والشجاعة التي نفذتها قوى المقاومة، واعتبارها استكمالًا للهجمات الواسعة الصاروخية والجوية التي شنتها إيران، يؤكد أن اليوم الثالث عشر لم يكن فقط يوم تصعيد إيراني، بل يوم ترسيخ معادلة ميدان موحد تتحرك فيه إيران وجبهات الإسناد بصورة متكاملة.
سياسيًا، حرصت طهران على ربط هذا التصعيد الميداني بالأفق العقائدي والسيادي للحرب. فقد شددت الخارجية الإيرانية على أن يوم القدس العالمي يمثل رمزًا للاحتجاج الموحد للعالم الإسلامي ضد اغتصاب أرض فلسطين التاريخية، وأن العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران يهدف إلى تحقيق وهم “إسرائيل الكبرى”، بما يعني أن الهجوم على إيران ليس معركة منعزلة، بل يستهدف المنطقة بأكملها والعالم الإسلامي. كما أكدت استمرار سياسة إيران المبدئية في دعم نضال الشعب الفلسطيني لإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف على كامل تراب فلسطين التاريخية. ومن هذا المنظور، جاءت كلمة السيد مجتبى الخامنئي لتربط بين الحضور الشعبي في الساحات، خصوصًا في مراسم يوم القدس العالمي، وبين المعركة الجارية، مؤكداً أن الشعب حاضر وله دور مهم، ولن يتمكن أي قائد من فعل أي شيء بدونه، وأن فاعلية الشعب وحضوره يجب الحفاظ عليهما في كافة المجالات. وقد انعكس ذلك فعليًا في التظاهرات الإيرانية الحاشدة تحت المطر وفي أجواء ليلة القدر، وفي ما حملته من رسالة مفادها أن الداخل الإيراني لم يتراجع ولم ينكسر.
اقتصاديًا، واصل اليوم الثالث عشر تعميق أثر الحرب على الأسواق العالمية، لكن بصورة أظهرت أن إيران لا تزال قادرة على المناورة والسيطرة في آن واحد. فمن جهة، قفزت العقود الآجلة للخام الأمريكي إلى 91.78 دولارًا، وتجاوز خام برنت 98 دولارًا، بينما حذرت بلومبرغ من أن استمرار الحرب مع إيران وبقاء النفط قرب 100 دولار للبرميل قد يدفع معدل التضخم في الاتحاد الأوروبي إلى أكثر من 3%. كما حذر الاتحاد الأوروبي من أثر النفط والغاز على السوق، ودعت مجموعة السبع إلى بحث أدوات الطوارئ. وفي الولايات المتحدة، أعلن وزير الطاقة بدء إخراج 172 مليون برميل من المخزون الاستراتيجي اعتبارًا من الأسبوع المقبل، في مؤشر واضح على اتساع القلق الأمريكي من آثار الحرب على السوق والداخل الأمريكي. لكن في المقابل، نقلت وول ستريت جورنال أن الشحنات الإيرانية خلال الأيام الستة الماضية ارتفعت إلى 2.1 مليون برميل يوميًا متجاوزة مستويات ما قبل الحرب، وأن إيران تواصل سيطرتها على مضيق هرمز وتصدير النفط أكثر من بداية الحرب، بما يعكس نجاحًا إيرانيًا في إدارة الضغط البحري والاقتصادي بطريقة انتقائية لا تغلق على نفسها أبواب التصدير، لكنها تجعل العدو وحلفاءه يدفعون الثمن الأكبر.
وفي السياق الدولي، حملت التصريحات العمانية أهمية لافتة. فقد أكد وزير الخارجية العماني أن الهدف الفعلي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران هو إضعافها وإعادة تشكيل المنطقة والدفع بملف التطبيع، كما أعلن أن عمان لن تدخل في مجلس السلام الذي يرأسه ترامب ولن تطبع مع إسرائيل، واعتبر أن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران حلقة جديدة في سلسلة خطيرة من الانتهاكات، وأن الاقتصاد العالمي سيدفع ثمن استمرار الحرب من خلال ارتفاع أسعار النفط واضطراب سلاسل التوريد، داعيًا إلى إعادة النظر في الفلسفة الدفاعية الخليجية. وهذا الموقف، إلى جانب ما نقلته رويترز عن المخابرات الأمريكية من أن حكومة إيران ليست على وشك الانهيار، يكشف أن رواية الحرب الخاطفة وإسقاط الدولة الإيرانية لم تعد تجد لها سندًا حتى داخل دوائر التقييم الغربي.
وفي المحصلة، يظهر اليوم الثالث عشر بوصفه يوم تثبيت القيادة الجديدة في قلب الميدان، ويوم إحكام القبضة الإيرانية على معادلة البحر والطاقة والنار المشتركة. فقد بدا واضحًا أن توجيهات السيد مجتبى الخامنئي لم تكن مجرد خطاب تعبوي، بل برنامج عمل ميداني وسيادي كامل: الثأر مستمر، هرمز سيبقى مغلقًا، القواعد الأمريكية ستُستهدف ما دامت منطلقًا للعدوان، جبهة المقاومة ستظل شريكًا أصيلًا، والشعب سيكون حاضراً في الساحات كما في الصمود. وفي المقابل، أظهر هذا اليوم أن واشنطن وتل أبيب تواجهان حربًا تتسع في الجو والبحر والاقتصاد والشرعية السياسية، بينما تزداد إيران قدرة على فرض وتيرة المعركة وشروطها وأفقها الاستراتيجي.
