ذات صلة

الأكثر مشاهدة

قبائل حضرموت تشل حركة نفط بترومسيلة.. إغلاق للمنافذ واحتجاز عشرات القواطر رداً على الإجراءات السعودية

صعّدت قبائل حضرموت، الخميس، تحركاتها الميدانية ضد الإجراءات السعودية،...

إجلاء مذلّ من البحرين.. واشنطن تسحب 1500 من بحّارتها وعائلاتهم بعدما فقدت قواعدها صفة “الملاذ الآمن”

كشفت تطورات الأيام الأخيرة عن تصدع واضح في صورة الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، بعدما اضطرت واشنطن إلى إجلاء 1500 من البحّارة الأمريكيين وعائلاتهم وعدد من حيواناتهم الأليفة من قاعدة النشاط البحري في البحرين إلى الولايات المتحدة، في خطوة تعكس أن القواعد التي طالما قُدمت بوصفها مراكز نفوذ محصنة بدأت تفقد وظيفتها كـ “ملاذات آمنة” تحت ضغط الحرب واتساع التهديدات. وقد أوردت NPR في تقرير بثّته عبر منصة إذاعية أمريكية عامة أن قاعدة NSA Bahrain، مقر الأسطول الأمريكي الخامس، تعرضت لعدة ضربات في الأيام الأولى من الحرب، وأن عمليات الإجلاء إلى نورفولك ومراكز أمريكية أخرى بدأت منذ منتصف مارس.

الأكثر دلالة في تفاصيل الإجلاء لم يكن العدد فقط، بل الطريقة التي جرى بها الانسحاب. فوفق الشهادات الواردة في التقرير نفسه، وصل بعض البحّارة إلى نورفولك بأقل قدر ممكن من المتاع، بعدما أُبلغوا عملياً بضرورة المغادرة الفورية بما يمكن حمله في حقيبة ظهر واحدة، فيما عاد بعضهم بالملابس التي كانوا يرتدونها فقط، من دون زيّ عسكري أو احتياجات أساسية، واضطرت جهات مجتمعية محلية إلى تأمين مستلزمات النظافة والملابس لهم. هذا النمط من الانسحاب لا يشبه إعادة انتشار روتينية محسوبة، بل يحمل سمات الإخلاء الاضطراري تحت الضغط، حين يصبح بقاء الأفراد داخل القاعدة مخاطرة أكبر من كلفة سحبهم على عجل.

وتزداد خطورة المشهد عند النظر إلى طبيعة القاعدة نفسها. فالبحرين تحتضن الأسطول الأمريكي الخامس، أحد أهم مراكز الانتشار البحري الأمريكي في المنطقة، والمكلف بتأمين الملاحة والوجود البحري الأمريكي في الخليج ومحيطه. لكن التقرير أشار إلى أن البحرين تبعد نحو 124 ميلاً بحرياً فقط عن السواحل الإيرانية، ما يجعلها في نطاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وهو ما حوّل الميزة الجغرافية للقرب من مسرح العمليات إلى نقطة ضعف استراتيجية في لحظة الحرب المفتوحة.

كما أن مؤشرات الاستهداف لم تبقِ الأمر في دائرة التقدير النظري. فقد أكدت رويترز أنها تحققت من موقع مقطع فيديو أظهر ضربة قرب قاعدة أمريكية في البحرين يوم 28 فبراير، وإن كانت لم تتمكن من التحقق المستقل من تاريخ تصوير المقطع نفسه. ومع أن هذا لا يقدّم صورة كاملة عن حجم الأضرار، فإنه يعزز السياق العام الذي تتحدث عنه رواية الإجلاء: القاعدة لم تعد خارج النار، والتهديد لم يعد افتراضاً استخباراتياً، بل واقعاً ميدانياً فرض على واشنطن إعادة حساباتها.

في هذا السياق، يبدو أن القرار الأمريكي لم يكن مجرد إجراء احترازي لحماية العائلات، بل اعتراف عملي بأن بقاء القوة البشرية داخل بعض القواعد بات عبئاً أمنياً. فحين تُخلى قاعدة بهذا الحجم، وتُنقل عائلات وطاقم بحري إلى الداخل الأمريكي، وتُترك أسئلة مفتوحة حول الأثاث والسيارات والممتلكات التي بقيت وراءهم، كما أشار تقرير NPR، فإن الرسالة الأوضح هي أن واشنطن لم تعد تملك يقيناً بموعد العودة ولا بقدرتها على ضمان الأمن داخل هذه المنشآت في المدى القريب.

وتنعكس هذه الصورة على ما هو أبعد من البحرين. فالتقرير نفسه أشار إلى أن عمليات إجلاء أخرى جرت من قواعد أمريكية إضافية في المنطقة، من دون الإفصاح عن تفاصيلها الكاملة، ما يفتح الباب أمام تصور أوسع: شبكة القواعد الأمريكية في الخليج لم تعد تعمل بالثقة اللوجستية نفسها التي ميّزتها لعقود، بل دخلت مرحلة دفاعية يطغى عليها سؤال السلامة والبقاء أكثر من سؤال الردع والهيمنة.

الخلاصة أن مشهد مغادرة البحّارة الأمريكيين من البحرين بحقائب ظهر محدودة وملابسهم فقط ليس مجرد تفصيل إنساني عابر، بل صورة مكثفة لتراجع الهيبة العملياتية الأمريكية في الخليج. فحين تضطر القوة الأكبر بحرياً إلى سحب أفرادها وعائلاتهم من قاعدة تمثل قلب وجودها البحري في المنطقة، فذلك يعني أن الحرب بدأت تمسّ جوهر المعادلة الأمريكية: القواعد موجودة، لكن الأمان الذي يمنحها معناها الاستراتيجي لم يعد مضموناً. وفي الحروب، تلك ليست ملاحظة جانبية، بل واحدة من أوضح العلامات على أن موازين الردع تتغير تحت وقع النار.

spot_imgspot_img