انتهت جولة مفاوضات إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة من دون اتفاق، بعدما اصطدمت المحادثات المباشرة وغير المباشرة بسقف إيراني ثابت يرفض التنازل عن السيادة على مضيق هرمز، وعن الحقوق النووية، وعن ربط أي تهدئة بوقف النار على الجبهات كافة، وفي مقدمتها لبنان. وفي المقابل، بدا الوفد الأمريكي عاجزا عن تقديم ما يرقى إلى اتفاق متوازن، مفضلا العودة إلى لغة الضغط والتهديد بعد ساعات طويلة من التفاوض المكثف.
وبحسب المعطيات المتداولة، غادر نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس إسلام آباد من دون تحقيق اختراق، بعدما تفاوض الوفدان لنحو 21 ساعة من دون التوصل إلى صيغة ترضي الطرفين. وحاول فانس تحميل إيران مسؤولية التعثر عبر القول إن طهران رفضت الالتزام بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، غير أن الرواية الإيرانية جاءت مختلفة تماما، إذ أكدت طهران أن فشل الجولة سببه المطالب الأمريكية المفرطة، وأن واشنطن حاولت أن تنتزع على طاولة التفاوض ما عجزت عن فرضه بالحرب.
وفي هذا السياق، أوضحت الخارجية الإيرانية أن المفاوضات تناولت البنود الإيرانية العشرة ونقاط الطرف الأمريكي، وأنه جرى التوصل إلى تفاهم بشأن بعض الملفات، لكن الخلاف بقي قائما حول ثلاث قضايا رئيسية حالت دون إنجاز الاتفاق. كما شددت طهران على أن المفاوضات جرت أصلا في أجواء من عدم الثقة وسوء الظن، وأنها لم تكن تتوقع اتفاقا نهائيا من جولة واحدة، مؤكدة في الوقت نفسه أن طريق الدبلوماسية لم يغلق، لكنه لن يكون مفتوحا على حساب المصالح الوطنية الإيرانية أو تحت سقف المطالب غير القانونية.
وكانت الرسالة الإيرانية الأوضح خلال هذه الجولة أن إيران تفاوض من موقع قوة لا من موقع اضطرار. فقد أكد المسؤولون الإيرانيون، من قاليباف إلى بزشكيان إلى ولايتي، أن الوفد دخل المفاوضات بهدف استيفاء حقوق إيران المشروعة، لا لمجرد إدارة هدنة هشة أو إرضاء واشنطن. ولهذا تمسكت طهران بثلاثية واضحة: السيطرة على مضيق هرمز، رفض التخلي عن منجزاتها النووية، وضرورة متابعة تعويضات الحرب، إلى جانب رفض فصل جبهة لبنان عن الساحة الإيرانية أو التعامل مع وقف النار هناك بوصفه ملفا ثانويا.
وفي قلب هذا الاشتباك السياسي، برز مضيق هرمز مجددا بوصفه العقدة المركزية في المفاوضات. فالمعطيات الواردة من الجانب الإيراني تؤكد أن لا تغيير سيطرأ على الوضع في المضيق ما لم توافق واشنطن على اتفاق معقول، وأن إيران لن تسمح بعبور أي سفينة من دون ترخيص أو موافقة منها. كما شددت طهران على أن السيطرة على هرمز لعبت دورا حاسما في دفع الطرف المقابل إلى طاولة المفاوضات، ما يعني أن هذا المضيق لم يعد مجرد ورقة ضغط مؤقتة، بل تحول إلى أداة سيادة وردع وتفاوض في آن واحد.
وفي تطور شديد الدلالة، تزامن التفاوض مع مواجهة بحرية سياسية وإعلامية حول حقيقة ما جرى في هرمز. فبينما ادعت القيادة المركزية الأمريكية ووسائل إعلام غربية أن مدمرتين أمريكيتين عبرتا المضيق ضمن مهمة لتأمين الملاحة وإزالة الألغام، نفت طهران ذلك بشكل حاسم، مؤكدة أن القوات الإيرانية راقبت المدمرة الأمريكية وأبلغت الوفد المفاوض بتحركها من الفجيرة باتجاه المضيق، ثم نُقلت رسالة عبر الوسيط الباكستاني إلى الأمريكيين بأن أي اقتراب إضافي سيعرضها لضربة خلال 30 دقيقة. ووفقا للرواية الإيرانية، فإن المدمرة توقفت وعادت بعد هذا التحذير، بينما شدد مسؤول عسكري إيراني كبير على أنه لا صحة لادعاءات عبور السفن الأمريكية للمضيق. وبهذا، بدا أن طهران أرادت أن تقول لواشنطن بوضوح إن الردع في هرمز لم يسقط، وإن أي استعراض بحري أمريكي سيبقى خاضعا للإنذار الإيراني المباشر.
أما على مستوى المفاوضات نفسها، فقد اتسع التناقض بين الأجواء التي حاول الأمريكيون تسويقها وبين ما خرج به الميدان التفاوضي فعليا. فالإدارة الأمريكية تحدثت عن “أفضل عرض ممكن ونهائي”، بينما أكدت طهران أن الوفد الأمريكي أصر على مطالب مفرطة وغير واقعية، لا سيما في ما يتعلق بـ فتح هرمز فورا، والتخلي عن مخزون اليورانيوم المخصب، والقبول بترتيبات تمس جوهر السيادة الإيرانية. كما أشارت تقارير إيرانية إلى أن الأمريكيين لم يكونوا مستعدين لخفض سقفهم، وأنهم بحثوا عن ذريعة لمغادرة الطاولة بعدما تعذر عليهم فرض شروطهم.
وفي موازاة الجمود التفاوضي، بقيت الجبهة اللبنانية مشتعلة على نحو يؤكد صحة الموقف الإيراني الرافض لفصل الساحات. إذ واصل الطيران الإسرائيلي غاراته على بنت جبيل، قانا، معروب، مشغرة، الشهابية، دبين، تبنين، الكفور، تول، صريفا، جويا، البازورية، القليلة، وحلتا وغيرها من بلدات الجنوب والبقاع، موقعا عشرات الشهداء والجرحى. وفي المقابل، واصل حزب الله هجماته الصاروخية والمسيّرة على الخيام، بنت جبيل، مارون الراس، الطيبة، البياضة، متات، برانيت، نهاريا، يرؤون، المطلة، شوميرا، عميعاد ومناطق أخرى في الجليل الأعلى والجليل الغربي، مع دوي متكرر لصفارات الإنذار في الشمال المحتل، وإقرار إسرائيلي بإطلاق عشرات الصواريخ والطائرات المسيّرة منذ ساعات الصباح.
وهنا تحديدا يظهر أحد أبرز أسباب تعثر التفاوض: إيران تصر على أن وقف إطلاق النار يجب أن يكون شاملا، وأن لبنان جزء من أي تفاهم حقيقي، بينما تحاول إسرائيل والولايات المتحدة فصل الساحة اللبنانية عن الساحة الإيرانية، لتبقى يد الاحتلال طليقة في الجنوب اللبناني حتى لو جرى تثبيت هدنة مؤقتة مع طهران. ولذلك أكدت الخارجية الإيرانية أن وقف النار في لبنان كان جزءا من الاتفاق وأن الجانب الباكستاني أقر بذلك، بينما عكست التسريبات الإسرائيلية رغبة تل أبيب في تقليص هجماتها شكليا من دون الالتزام بوقف شامل.
وفي الداخل الإسرائيلي، تعكس التطورات حالة قلق متزايد من فشل المسار الأمريكي في انتزاع ما تريده تل أبيب. فقد تحدثت وسائل إعلام عبرية عن ارتياح إسرائيلي للتشدد الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه أشارت إلى أن الكيان يتأهب لاستئناف الحرب، وأنه متشائم أكثر من كونه متفائلا، بينما صدرت تعليمات بتشديد الإجراءات في البلدات الحدودية وإلغاء الدراسة في بعضها تحسبا لتصعيد من حزب الله خلال 48 ساعة. وهذا يعني أن الاحتلال، رغم غاراته المكثفة، لم ينجح في انتزاع الهدوء، بل يجد نفسه أمام جبهة شمالية مفتوحة وجبهة تفاوضية متعثرة وجبهة بحرية معقدة في هرمز.
وفي المحصلة، تكشف مستجدات إسلام آباد أن إيران لم تدخل المفاوضات لتوقيع استسلام مؤجل، بل لتثبيت نتائج الصمود السياسي والعسكري في وثيقة تفاوضية تحفظ لها هرمز وحقوقها النووية وتعويضات الحرب ووقف العدوان على حلفائها. وعندما وجدت أن واشنطن لا تزال تحاول إدارة التفاوض بعقلية المنتصر، حملتها مسؤولية التعثر. لذلك يمكن القول إن الجولة انتهت من دون اتفاق، لكنها كرست حقيقة أساسية: طهران ما تزال تمسك بأوراق القوة من هرمز إلى لبنان، فيما تبدو واشنطن عاجزة عن تحويل الضغط العسكري إلى تسوية تُخضع إيران لشروطها.
