ذات صلة

الأكثر مشاهدة

الدفاعات الجوية اليمنية تُجبر تشكيلين سعوديين على التراجع من أجواء صعدة

أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن...

اليمن سيد البحر.. انتهى زمن العربدة وأصلحنا الباب!

دعهم يتباكون على الملاحة، هذا طبعهم. منذ متى كان اللص...

عودة الأسرى المحررين.. ثبات الإيمان وانتصار الإرادة

تمثل عودة الأسرى المحررين تتويجًا لموقف ثابت ومبدئي لا...

تعثر مفاوضات إسلام آباد يفتح مرحلة شديدة الخطورة.. طهران تتمسك بهرمز وحقوقها وواشنطن تلوّح بالحصار والتصعيد

دخلت المواجهة بين واشنطن وطهران منعطفاً أكثر حساسية بعد فشل جولة المفاوضات المباشرة في إسلام آباد في إنتاج اتفاق، رغم أكثر من 20 ساعة من النقاشات المكثفة، ما أعاد المشهد إلى نقطة التوتر العالي، وفتح الباب أمام ثلاثة مسارات خطيرة: إما استئناف التفاوض تحت الضغط، أو العودة إلى التصعيد العسكري، أو الذهاب إلى تهدئة هشة من دون اتفاق نهائي، وهي صيغة تبقي الحرب مؤجلة لا منتهية.

المعطيات المتداولة تشير إلى أن الفجوة بين الطرفين كانت عميقة منذ البداية، لا سيما في ما يتعلق بـ البرنامج النووي الإيراني، والسيطرة على مضيق هرمز، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وتعويضات الحرب، إلى جانب وقف إطلاق النار في لبنان. وفي حين حاولت واشنطن فرض مقاربة تقوم على مبدأ “خذ أو اترك”، تمسكت طهران بحقها في التخصيب ورفضت التخلي عن قدراتها الاستراتيجية أو التفريط بأوراق القوة التي راكمتها خلال الحرب.

وبذلك، لم يكن تعثر مفاوضات إسلام آباد حادثاً تقنياً أو تفصيلاً تفاوضياً عابراً، بل نتيجة مباشرة لصدام بين رؤية أمريكية تريد انتزاع ما عجزت عنه بالحرب، وبين رؤية إيرانية تعتبر أن التفاوض يجب أن يترجم الصمود العسكري والسياسي إلى مكاسب سيادية واضحة. ولهذا خرجت واشنطن من الجولة من دون اختراق، بينما حملت طهران الطرف الأمريكي مسؤولية الفشل بسبب مطالبه المفرطة وغير القانونية.

وفي قلب هذا الاشتباك، برز مضيق هرمز بوصفه العقدة الأخطر والأثقل وزناً في المفاوضات. فواشنطن تريد إعادة فتحه فوراً وبشكل كامل وآمن، بينما تصر إيران على أن أي تغيير في وضع المضيق لن يتم إلا في إطار اتفاق نهائي ومعقول، لا قبل ذلك. هذا التمسك الإيراني لم يعد مجرد موقف تفاوضي، بل تحول إلى ورقة ردع ذهبية، فرضت نفسها على كل الحسابات الدولية، بعدما أثبتت طهران قدرتها على التحكم الفعلي بحركة الملاحة في واحد من أهم الشرايين النفطية في العالم.

ووفق المعطيات، فإن حركة السفن في هرمز ما تزال عند حدها الأدنى، ولم يُسمح إلا لعدد محدود جداً من السفن بالعبور، فيما عادت ناقلات أخرى أدراجها، وتراجعت الحجوزات اليومية بشكل حاد، وباتت مسارات السفن أقرب إلى السواحل الإيرانية. وهذا كله يعني أن طهران ما تزال تمسك بقبضة قوية على المضيق، وأنها لم تسمح لواشنطن بتحويل وقف إطلاق النار المؤقت إلى استعادة مجانية لحرية الملاحة من دون مقابل سياسي واضح.

أما الذريعة الأمريكية الجديدة، فتتمثل في الحديث عن الألغام البحرية التي تقول واشنطن إن إيران زرعتها في الممر الملاحي، وإنها باتت الآن تعرقل حتى عملية إعادة فتحه. هذه الرواية، سواء قُدمت بصفتها تفسيراً فنياً أو مبرراً سياسياً، تعكس حقيقة أهم: أن إيران نجحت في تحويل الجغرافيا البحرية إلى أداة ضغط تفاوضي فعالة، وأن الولايات المتحدة، رغم ضجيجها العسكري، لا تملك حتى الآن حلاً سريعاً وحاسماً لهذه العقدة.

وفي السياق نفسه، يتصاعد الحديث في واشنطن عن خيار الحصار البحري على إيران، باعتباره “الورقة الرابحة” إذا لم ترضخ طهران للشروط الأمريكية. لكن هذا الخيار، كما يظهر في التحليلات المطروحة، ليس قراراً سهلاً ولا مضمون النتائج، لأن إيران ليست دولة جزيرية يمكن خنقها من البحر فقط، بل تمتلك حدوداً برية واسعة مع عدد من الدول، بما يسمح لها بالالتفاف على أي حصار أحادي. وإلى جانب ذلك، فإن أي حصار بحري سيعني عملياً توسيع الحرب ورفع مستوى الاشتباك إلى مواجهة أخطر في الخليج، حيث يمكن لطهران أن ترد عبر استهداف القطع البحرية الأمريكية أو تعطيل الملاحة بصورة أوسع.

كما أن التقارير المتداولة عن عبور مدمرتين أمريكيتين إلى محيط هرمز، تحت عنوان “إزالة الألغام” أو “تهيئة الظروف لحرية الملاحة”، لا تبدو كافية لتغيير ميزان القوة القائم. فحتى القراءة العسكرية الغربية تشير إلى أن هذه المدمرات قد تكون في مهمة استطلاع أكثر منها مهمة حسم، وأن التهديد الإيراني لا يقتصر على الألغام، بل يشمل أيضاً الزوارق السريعة الملغمة والقدرات البحرية غير التقليدية التي تجعل أي اقتراب أمريكي واسع من السواحل الإيرانية مغامرة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر.

وفي موازاة هذا الاشتباك البحري، تبدو الجبهة السياسية أكثر ضبابية. فالمؤشرات القادمة من الصحافة الغربية تتحدث عن ثلاثة سيناريوهات رئيسية. الأول هو استئناف التفاوض تحت الضغط، أي أن يكون انسحاب الوفد الأمريكي خطوة تكتيكية لابتزاز طهران ودفعها إلى تنازلات لاحقة. والثاني هو العودة إلى التصعيد العسكري، سواء عبر ضربات محدودة أو مواجهة أوسع، خصوصاً في هرمز، مع ما يعنيه ذلك من اهتزاز أسواق الطاقة وارتفاع التضخم العالمي. أما الثالث فهو إنهاء الحرب من دون اتفاق، أي الإبقاء على وقف نار هش يوقف الاشتباك مؤقتاً لكنه يترك كل الملفات الكبرى مفتوحة وقابلة للانفجار في أي لحظة.

لكن القراءة الأقرب إلى الواقع، كما تعكسها التطورات، هي أن الحرب لم تنتهِ فعلاً، بل دخلت مرحلة إدارة الأزمة بالنار والسياسة معاً. فإسرائيل لا تزال تضغط في اتجاه استئناف القتال، والولايات المتحدة لا تريد حرباً طويلة ومكلفة لكنها لا تريد أيضاً الاعتراف الكامل بحقوق إيران، أما طهران فترفض تقديم تنازلات جوهرية بعد كل ما راكمته من أوراق قوة خلال الأسابيع الماضية.

ولهذا، فإن المشهد الحالي يمكن وصفه بأنه “جمود استراتيجي”: واشنطن لا تستطيع فرض شروطها كاملة، وإيران لا ترى سبباً للتراجع عن مكتسباتها، والممرات البحرية والطاقة والملف النووي ولبنان كلها باتت ملفات متشابكة في معركة واحدة. وفي هذا المشهد، يبقى مضيق هرمز هو الورقة الذهبية بيد إيران، والعامل الأكثر حسماً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة، لأن من يملك القدرة على التحكم بهذا الشريان الحيوي، يملك قدرة كبيرة على فرض إيقاع السياسة والحرب والاقتصاد معاً.

الخلاصة أن تعثر مفاوضات إسلام آباد لم يُغلق باب التفاوض تماماً، لكنه أكد أن الطريق إلى أي اتفاق لا يزال طويلاً وشائكاً ومشحوناً بألغام السياسة والجغرافيا والسلاح. وبين واشنطن التي تريد فرض الاستسلام في ثوب تفاوضي، وطهران التي تصر على الندية والسيادة والاعتراف بحقوقها، تبقى المنطقة كلها معلقة على حافة خيارات ثقيلة: تفاوض طويل، أو تصعيد خطير، أو هدنة رخوة قابلة للانفجار في أي لحظة.

spot_imgspot_img