في تطور بحري واستراتيجي بالغ الدلالة، تتكرس ملامح تحول كبير في موازين القوة في البحر الأحمر وباب المندب، بعد المؤشرات المتزايدة على أن الولايات المتحدة باتت تتعامل مع هذا الممر الحيوي بوصفه منطقة تهديد مباشر لا ممراً آمناً لأساطيلها كما كان عليه الحال لعقود. ويعكس تغيير مسار حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس جورج إتش دبليو بوش” والتفافها حول القارة الإفريقية، بدلاً من المرور عبر باب المندب والبحر الأحمر، واقعاً جديداً فرضته معادلات الردع التي نشأت في هذا المسرح البحري خلال المرحلة الماضية.
هذا التحول لم يعد شأناً أمريكياً داخلياً فحسب، بل بات مصدر قلق إسرائيلي مباشر. فقد نقلت هيئة البث الصهيونية عن مصدر أن إسرائيل تجري اتصالات مع واشنطن ودول أوروبية للتأكد من أن الحوثيين لا ينوون تعطيل الملاحة، وهو تطور يكشف بوضوح أن المخاوف داخل الكيان لم تعد مقتصرة على خطر الاستهداف المباشر، بل امتدت إلى مستقبل حرية الحركة في البحر الأحمر واحتمالات تحوله إلى ساحة ضغط مفتوح على الاحتلال وداعميه.
ويكتسب هذا القلق بعداً أعمق في ضوء ما أكده عبدالملك الحوثي في كلمته الأخيرة، حين شدد على أنه “لن نسمح أبداً بأن يتفرد العدو الإسرائيلي بأي جبهة من جبهات المحور، بما في ذلك الجبهة الفلسطينية”، معتبراً أن من أهم نتائج جبهة اليمن أنها منعت العدو الإسرائيلي والأمريكي من الاستخدام العسكري للبحر الأحمر في الأعمال العدائية ضد إيران ودول المحور. كما أشار إلى أن عمليات اليمن تسير في مسار تصاعدي، وتحمل خيارات كبيرة ومؤثرة وعمليات مفاجئة، وأنها تأتي ضمن خطة مدروسة تأخذ في الاعتبار أي مدى زمني للعدوان.
وتعني هذه المعادلة، عملياً، أن البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر تجاري أو خط عبور للأساطيل، بل تحول إلى حيز اشتباك تحكمه ضوابط جديدة، أبرزها أن أي استخدام عسكري لهذا الممر ضد قوى المحور قد يفتح الباب أمام رد مباشر. ومن هنا، فإن قرار حاملة الطائرات الأمريكية بتجنب هذا المسار لا يمكن قراءته باعتباره مجرد خيار ملاحي، بل باعتباره استجابة عملية لبيئة تهديد باتت واشنطن تأخذها على محمل الجد.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن هذا المشهد يمثل ضربة لمفهوم السيادة البحرية الأمريكية المطلقة، إذ لم تعد حاملات الطائرات الأمريكية تدخل الممرات الحيوية وفق منطق الهيمنة وحده، بل باتت مضطرة إلى إعادة الحسابات وتعديل المسارات تحت تأثير الردع. كما أن الالتفاف حول إفريقيا، بما يحمله من كلفة زمنية ولوجستية وعملياتية عالية، يكشف أن الابتعاد عن باب المندب لم يكن خياراً مريحاً، بل قراراً فرضته ضرورات السلامة وتفادي الانخراط في مسرح ناري مفتوح.
ويكتسب هذا المسار دلالة إضافية عند النظر إلى التجربة السابقة في البحر الأحمر منذ طوفان الأقصى، حيث فرضت العمليات اليمنية واقعاً جديداً على حركة الأساطيل الغربية، وأعادت رسم حدود الحركة والانتشار العسكري في هذا الممر. وبمرور الوقت، لم تعد هذه المعادلة مجرد تهديد إعلامي أو سياسي، بل تحولت إلى عنصر مؤثر في القرار العملياتي الأمريكي، وهو ما يفسر الحساسية الإسرائيلية المتزايدة، والاتصالات الجارية مع واشنطن والعواصم الأوروبية لاحتواء أي سيناريو قد يفضي إلى شلل أوسع في الملاحة أو تعقيد إضافي في تدفق الإمدادات العسكرية والتجارية.
كما أن ما يزيد من خطورة التطورات الراهنة هو أن التصريحات اليمنية لا تتحدث عن رد آني محدود، بل عن مسار تصعيدي مفتوح ومحسوب، ما يعني أن أي محاولة أمريكية أو إسرائيلية لاستعادة هامش الحركة السابق في البحر الأحمر قد تواجه معادلات أكثر صرامة في المرحلة المقبلة. وهذا ما يفسر أيضاً انتقال القلق من مجرد تقدير استخباري أو عسكري إلى مستوى التنسيق السياسي الدولي لمحاولة استباق ما يمكن أن يترتب على هذا الردع من آثار.
وفي الخلاصة، فإن الصورة التي ترتسم اليوم تؤكد أن البحر الأحمر لم يعد ساحة تفوق أمريكي مطلق، وأن باب المندب لم يعد ممراً محايداً خارج توازنات النار والردع. فمع التفاف حاملات الطائرات الأمريكية حول إفريقيا، ومع الاتصالات الإسرائيلية العاجلة بحثاً عن تطمينات، ومع الخطاب اليمني الواضح بشأن منع استخدام البحر الأحمر ضد إيران ودول المحور، يتضح أن المنطقة دخلت مرحلة بحرية جديدة عنوانها أن القرار في هذا الممر لم يعد أحادياً، وأن كلفة تجاهل معادلات الردع أصبحت أعلى بكثير من السابق.
