تتسارع المؤشرات الدبلوماسية بشأن المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وسط ترجيحات باقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم سياسية وأمنية تمهد لوقف التصعيد واحتواء الحرب، بعد أن أثبتت طهران أن الضغط العسكري الأمريكي لا يستطيع كسر إرادتها أو تجاوز معادلات الردع التي فرضتها في الميدان.
ورغم محاولة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تقديم التفاهم المرتقب باعتباره إنجازاً أمريكياً، فإن مسار الأحداث يكشف أن واشنطن ذهبت إلى التفاوض تحت ضغط واضح: مضيق هرمز مغلق عملياً أمام الحركة الطبيعية، مئات السفن تنتظر ترخيصاً إيرانياً للعبور، والرد العسكري الإيراني جعل القواعد والممرات البحرية جزءاً من معادلة المواجهة.
وبحسب التصريحات الباكستانية، فإن واشنطن وطهران أصبحتا أقرب من أي وقت مضى إلى اتفاق، مع استعداد إسلام آباد لتنظيم توقيع إلكتروني فور إنجاز الصياغة النهائية. كما تحدثت مصادر أمريكية عن اعتقاد واشنطن بأنها توصلت إلى “اتفاق قوي” مع إيران، في حين جرى استبعاد مشاركة نتنياهو في اجتماعات ترامب الثنائية مع قادة الشرق الأوسط على هامش قمة مجموعة السبع، في مؤشر على محاولة أمريكية لتخفيف أثر التوتر الإسرائيلي داخل مساشر التفاهم.
في المقابل، تعاملت طهران بحذر واضح مع التسريبات الأمريكية والباكستانية، حيث أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن التوقيع على مذكرة التفاهم ليس غداً، وأن الموعد الدقيق ما يزال بحاجة إلى انتظار، مشدداً على أن هذه المرحلة تركز على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وليس على الملف النووي.
وأوضح بقائي أن مذكرة تفاهم إسلام آباد ليست اتفاقاً نهائياً، بل إطاراً أولياً لمعالجة النقاط الخلافية الأساسية وتثبيت وقف الحرب، على أن يُناقش الملف النووي لاحقاً خلال مدة تصل إلى 60 يوماً، بما يعني أن إيران نجحت في فصل أولوية وقف العدوان عن الضغوط الغربية المتعلقة ببرنامجها النووي.
وتكشف هذه المقاربة أن طهران لا تتعامل مع المفاوضات من موقع الضعف، بل من موقع من استطاع فرض جدول الأعمال: أولاً وقف الحرب والعدوان، ثم لاحقاً مناقشة الملفات الفنية والسياسية الأخرى، مع التشديد على عدم نقل أي مواد نووية إلى الخارج وعدم القبول بإملاءات تحت الضغط.
وعلى الجانب الأمريكي، حاول ترامب تسويق الاتفاق باعتباره “جداراً يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي”، متحدثاً عن فتح مضيق هرمز بعد التوقيع، وعن عملية لاحقة لما سماه “الغبار النووي”، غير أن التصريحات الإيرانية تؤكد أن واشنطن تبالغ في تصوير ما لم يُحسم بعد، وأن طهران لن تقبل بتفاهم استعراضي يفرض عليها تنازلات مجانية.
وتؤكد المعطيات أن مضيق هرمز هو الورقة الأشد حضوراً في مسار التفاوض. فقد أفادت وكالة فارس بأن مئات السفن تنتظر ترخيصاً إيرانياً للعبور، فيما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن ناقلة نفط عملاقة اخترقت الحصار البحري الأمريكي المفروض على إيران بمجرد إغلاق جهاز التعريف الآلي، في إشارة إلى أن سيطرة طهران على قواعد الحركة البحرية لم تسقط رغم الضغط العسكري الأمريكي.
وبحسب التسريبات الغربية، فإن بعض بنود التفاهم المحتمل تتضمن إعادة فتح مضيق هرمز ووقف الحصار البحري الأمريكي على إيران، مقابل بحث رفع العقوبات النفطية والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة، غير أن واشنطن سارعت إلى نفي بعض التفاصيل المتعلقة بالإفراج الفوري عن الأموال، ما يعكس استمرار التجاذب داخل المعسكر الأمريكي حول حجم التنازلات المطلوبة لإنقاذ المسار الدبلوماسي.
وتشير معلومات أخرى إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها يخططون لإعادة حركة الشحن عبر هرمز إلى مستوياتها الطبيعية خلال نحو شهر من توقيع أي اتفاق محتمل، وسط حديث عن تعقيدات مرتبطة بإزالة الألغام البحرية واحتمال مشاركة أمريكية وبريطانية وفرنسية في هذه العملية، وهو ما يؤكد أن إغلاق المضيق لم يكن خطوة رمزية، بل ورقة استراتيجية أثرت في حسابات الطاقة والشحن والتجارة العالمية.
في السياق ذاته، لعبت باكستان دور الوسيط النشط، حيث أعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق بات قريباً، وأن بلاده مستعدة لاستضافة مراسم توقيع إلكتروني، بينما أجرت إسلام آباد اتصالات مع قطر والسعودية بشأن الجهود الإقليمية لخفض التصعيد وتعزيز الاستقرار.
كما رحب وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار بالتقدم المشجع نحو تفاهم بين واشنطن وطهران، معتبراً أن الجهود الجارية قد تسهم في تحقيق السلام والاستقرار الإقليميين، وهو ما يعكس إدراكاً إقليمياً بأن استمرار الحرب بات يهدد مصالح الجميع، لا إيران وحدها.
وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه القيادة الإيرانية أن الحرب فشلت في تحقيق أهدافها، رغم اغتيال القادة والعلماء النوويين والهجمات على البنية التحتية. وقد شدد الرئيس الإيراني على أن الشعب تحمل ضغوطاً اقتصادية كبيرة، لكنه صمد أمام الحرب والحصار، فيما أكد قائد مقر خاتم الأنبياء أن الشعب الإيراني سطر ملحمة إعجازية في دعم القوات المسلحة وتجديد البيعة للقيادة.
وتتعامل وسائل الإعلام الإيرانية مع التفاهم المحتمل بوصفه اعترافاً أمريكياً متأخراً بحقيقة لم تستطع واشنطن تجاوزها طوال العقود الماضية: إيران دولة ذات سيادة لا يمكن إخضاعها بالتهديد، ولا يمكن تجاوز موقعها في أمن الخليج وهرمز والمنطقة.
أما على الجانب الإسرائيلي، فتبدو تل أبيب الأكثر قلقاً من مسار التفاهم. فإسرائيل تتوقع الاحتفاظ بما تسميه “حرية التحرك”، وتضغط لضمان إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران، لكنها تجد نفسها أمام واقع جديد: واشنطن تبحث عن تفاهم مع طهران، ونتنياهو مستبعد من بعض اللقاءات الحساسة، وإيران تفرض أن وقف الحرب على الجبهات، وفي مقدمتها لبنان، هو المدخل لأي ترتيب سياسي.
وبذلك، يظهر أن مذكرة إسلام آباد ليست مجرد وثيقة تفاوضية، بل نتيجة مباشرة لمعادلة الردع التي صنعتها إيران ومحور المقاومة. فواشنطن التي تحدثت عن إسقاط النظام والحسم العسكري، عادت إلى طاولة التفاهم، وإيران التي تعرضت للعدوان والحصار والاغتيالات، فرضت أن يكون وقف الحرب وفتح هرمز ورفع الضغوط جزءاً من أي تسوية.
