خاص/
عادت قضية ضم الضفة الغربية إلى صدارة المشهد السياسي لكيان العدو الإسرائيلي، ليس باعتبارها مجرد شعار أيديولوجي داخل اليمين المتطرف، بل كورقة انتخابية وأمنية تسعى حكومة المجرم بنيامين نتنياهو إلى توظيفها في مواجهة تراجع رصيدها الشعبي وتآكل صورة “الإنجاز العسكري”.
وبحسب ما نقلته صحيفة معاريف العبرية، فإن الضم بات الورقة الأخيرة بيد الائتلاف الحكومي الإسرائيلي، وقد يشكل عنواناً مركزياً في المرحلة المقبلة، مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، ومحاولة نتنياهو واليمين إعادة تعبئة جمهورهم عبر ملف الضفة الغربية.
في السياق نفسه، جاء تصريح وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش ليكشف جوهر المشروع الحقيقي، إذ هاجم فكرة الدولة الفلسطينية، واعتبرها خطراً وجودياً على الكيان، قائلاً إن إقامة دولة فلسطينية تعني “أخذ غزة ووضعها على سلسلة الجبال المطلة على المراكز السكانية الإسرائيلية”، مضيفاً أن الخطر “أخطر من إيران لأنه قريب، هنا، في داخلنا”.
هذه التصريحات لا تنفصل عن سلسلة قرارات ميدانية اتخذتها حكومة المجرم نتنياهو خلال الأيام والأسابيع الماضية، أبرزها السيطرة على صلاحيات التخطيط والبناء في محيط الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل، ثم الموافقة على توسيع بناء استيطاني داخل المدينة، وهي خطوات رآها الفلسطينيون ومراقبون دوليون جزءاً من الضم الفعلي الزاحف للضفة الغربية.
وتترافق هذه التحركات مع دفع متواصل لمشاريع استيطانية خطيرة، بينها مشروع E1 شرقي القدس، الذي يهدف إلى قطع التواصل الجغرافي بين شمال الضفة وجنوبها، وعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، بما يضرب عملياً إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
وتعكس هذه السياسة انتقال حكومة المجرم نتنياهو من مرحلة إدارة الاحتلال إلى مرحلة تثبيت السيادة الاستيطانية، عبر أدوات قانونية وإدارية وعسكرية: توسيع المستوطنات، تسجيل الأراضي في المنطقة “ج”، نزع صلاحيات السلطة الفلسطينية، وتسهيل تملك المستوطنين للأراضي، في مسار يستهدف تحويل الضفة إلى جزر فلسطينية معزولة وسط شبكة استيطانية وأمنية إسرائيلية.
وبينما تحاول حكومة المجرم نتنياهو تسويق الضم كـ “ضرورة أمنية”، تؤكد الوقائع أن المشروع يستهدف قبل كل شيء دفن حق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، وفرض واقع استعماري دائم يخالف القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وفي مقدمتها القرار 2334 الذي أكد عدم شرعية المستوطنات، واعتبرها انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.
وبذلك، تبدو تصريحات سموتريتش وما نقلته الصحافة العبرية بمثابة إعلان سياسي مكشوف: حكومة الاحتلال لا تعمل فقط على منع قيام الدولة الفلسطينية، بل تسعى إلى تحويل الضفة الغربية إلى ساحة حسم استيطاني وانتخابي، في مواجهة الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية والقانونية.
وتأتي هذه التصريحات والتوجهات الإسرائيلية لتؤكد، مجدداً، أن الحكومات الإسرائيلية السابقة والحالية واللاحقة تتعامل مع ما يسمى “مسار السلام” و “حل الدولتين” بوصفهما غطاءً زمنياً لا أكثر، تستثمره لتوسيع الاستيطان وفرض وقائع الضم على الأرض.
وفي هذا السياق، تبدو قراءة قائد أنصار الله عبدالملك بدر الدين الحوثي أكثر التصاقاً بحقيقة المشهد، والذي سبق أن أكد بأن مظلومية الشعب الفلسطيني الممتدة منذ عقود لم تجد من المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ما يوقف الظلم أو يعيد الحق لأهله، بل إن عجز هذه المنظومة وانحيازها أسهما في استمرار الاحتلال وتكريس معاناة الفلسطينيين.
فأمام شهية إسرائيلية مفتوحة للضم والتوسع، يبرز فشل كل المسارات القائمة على المقايضة والتفريط بالحقوق تحت عناوين “مفاوضات السلام” و “خيار الدولتين” والمبادرات المشابهة، وهي مسارات قال السيد الحوثي إنها لم تنجح ولن تنجح، وقد ثبت فشلها بشكل كامل.
وبذلك، تكشف تصريحات سموتريتش وما يجري في الضفة أن الاحتلال لا يبحث عن تسوية، بل عن وقت إضافي لابتلاع الأرض، فيما تؤكد التجربة أن الحقوق الفلسطينية لا تحميها الوعود الدولية ولا القرارات المعطّلة، بل موقف مقاوم يواجه مشروع الضم من جذوره.
