كان العاشر من محرم زلزالًا أعاد ترتيب وعي البشرية.. لقد حوّلت دماء الحسين عليه السلام ذلك اليوم الراكد في تقويم الزمن إلى ثورة متجددة، لا تَخبو جذوتها ولا يقلّ أثرها.
وبلمسةٍ من جلال التضحية، تحولت كربلاء من مُجَـرّد امتداد رمليّ صامت في جوف الصحراء، إلى قطب رحى الأحرار، ومدرج صعود الشرفاء، وقبلةٍ يتجه إليها كُـلّ من رفض الضيم وتنفّس الحرية.
الحسين: وهج الزمان وعنفوان المكان
لقد منح الحسين عليه السلام للزمان عُمرًا لا ينتهي، وللمكان جغرافيةً لا تحدّها حدود.
كانت شهادتُه إعادة صياغة لكرامة الإنسان.
وكما يمسك الوتد الأرض أن تميد، كانت دماء الحسين الوتد الذي حفظ سفينة الإسلام من الأمواج العاتية للانحراف والزيف، فصان جوهر الرسالة المحمدية، وكسر أصفاد الخنوع، ليثبت للعالمين أن الموت في سبيل الحق هو الخلود بعينه، وأن الحسين سيبقى دائمًا ركنًا وثيقًا لشريعة جده المصطفى.
أهل القضية: أقمار في فلك الحسين
كان الحسين محاطًا بصفوةٍ تشرّفت بهم الأرض، أهل بيته الأطهار وأصحابه الميامين، الذين صاغوا بأرواحهم أروع ملاحم الوفاء.
زينب الحوراء:
التي حملت كربلاء في قلبها ولسانها، فكانت صوت الحسين الهادر في عروش الطغاة، مكملةً بدموعها وصبرها وصمودها خطّ الثورة، ومحولةً الأسر إلى نصر مؤزر.
العباس قمر بني هاشم:
الذي جسّد الأُخوَّة في أسمى معانيها، فصار رمزًا للإيثار والشجاعة، ونهرًا يرتوي منه كُـلّ ظامئ إلى قيم الوفاء والتضحية.
الأصحاب والأهل:
أُولئك الذين تسابقوا إلى الموتِ مستبشرين، فرأوا في سيوف الأعداء بواباتٍ نحو الخلود، ولم يبالوا أوقَعوا على الموت أم وقع الموت عليهم، فصاروا منارًا لكل من بذل نفسه دون عقيدته ومبدئه.
ثورةٌ عابرة للقرون
حين حاصرت سيوف الظلم والجور الحسين وأهله في بقعةٍ ضيقة ولأيامٍ معدودة، ظنّ القتلة أنهم يطوون صفحة الحسين إلى الأبد.
لكن المفارقة التاريخية الكبرى تجلّت في أن تلك الدماء الزكية حاصرت السيوف وصنّاعها في كُـلّ عصر ومصر.
وها نحن اليوم، بعد أكثرَ من أربعة عشر قرنًا، نقفُ أمامَ ذكرى عاشوراء وكأن صداها يتردّدُ في مسامعنا الآن، غُضةً طرية، عصيةً على المحو والتهميش.
لقد مات الطغاةُ وصاروا رُكَامًا تذروه الرياح، وبقي الحسينُ وأهلُه وقضيتُه شمسًا تشرق في قلوب الملايين، تنبض بالعزة، وتلهم الثوار،
وتؤكّـد أن الحق -مهما قلّ ناصروه- منتصِر لا محالة.
