ذات صلة

الأكثر مشاهدة

الدفاعات الجوية اليمنية تُجبر تشكيلين سعوديين على التراجع من أجواء صعدة

أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن...

اليمن سيد البحر.. انتهى زمن العربدة وأصلحنا الباب!

دعهم يتباكون على الملاحة، هذا طبعهم. منذ متى كان اللص...

عودة الأسرى المحررين.. ثبات الإيمان وانتصار الإرادة

تمثل عودة الأسرى المحررين تتويجًا لموقف ثابت ومبدئي لا...

عدن بين قبضة “دولة الظل” والانهيار الاقتصادي.. انتشار قوات سوداء يفاقم الذعر ويفضح عجز سلطات التحالف

تعيش مدينة عدن، الخاضعة لسلطة تحالف العدوان، حالة متصاعدة من الارتباك الأمني والاختناق الاقتصادي، في مشهد يكشف عمق الفوضى التي وصلت إليها المدينة بعد سنوات من الإدارة السعودية الإماراتية المتصارعة، ويعكس انتقالها من وعود “الاستقرار والتحرير” إلى واقع تهيمن عليه القوات الغامضة، والانقسامات الأمنية، والانهيار المالي.

فقد خيمت، الأربعاء، حالة واسعة من الذعر والقلق على أجواء المدينة، بعد انتشار مكثف لقوات جديدة ترتدي الزي الأسود بالكامل في شوارع عدن ومديرياتها المختلفة، من دون أن ترفع أي علم أو تحمل أي شارات تعريفية واضحة. وبحسب مصادر محلية، فوجئ السكان منذ ساعات الصباح الأولى بهذه القوات وهي تنفذ عمليات تفتيش غير مسبوقة للمركبات في عدد من المديريات، في مشهد أعاد إلى الواجهة المخاوف من تحوّل المدينة إلى ساحة مفتوحة لقوات موازية تتحرك خارج أي إطار قانوني أو مؤسسي معلن.

وتداولت منصات جنوبية صوراً ومقاطع مصورة تظهر هذه القوات خلال انتشارها الواسع، وسط تساؤلات متزايدة عن طبيعتها ومهامها والجهة التي تقف وراء تحريكها. وفي هذا السياق، حذرت نخب جنوبية من أن ما يجري يعكس تكريساً لما وصفته بـ “دولة الظل” السعودية داخل عدن، خصوصاً بعد عجز الرياض عن ضبط الوضع عبر التشكيلات الأمنية والعسكرية المعروفة والموالية لها.

وجاء الدفع بهذه القوات الجديدة عقب يوم واحد فقط من توتر أمني حاد شهدته المدينة على خلفية محاولات اقتحام سجن البحث الجنائي، حيث تحدثت تقارير عن اشتباكات في محيط المعتقل الذي يضم عشرات السجناء. وترافق ذلك مع حالة ارتباك سياسي وأمني متزايدة، خاصة مع تلويح المجلس الانتقالي بإجهاض الاتفاق المتعلق بالأسرى بين السعودية وصنعاء، وهو ما عبّر عنه المتحدث باسم المجلس أنور التميمي في بيان صادر من أبوظبي، أعلن فيه رفض الانتقالي الاتفاق من أساسه.

وفي ظل غياب أي توضيحات رسمية مقنعة، لم يتبين بعد ما إذا كان انتشار هذه القوات السوداء مرتبطاً بملاحقة فارين من سجن البحث الجنائي، كانت تقارير قد تحدثت عنهم في وقت سابق، أم أنه يأتي في إطار إجراءات استباقية خشية اتساع الهجمات على السجون ومحاولات تهريب سجناء آخرين. لكن المؤكد أن هذا الانتشار زاد من حجم الهلع الشعبي، وعزز الانطباع بأن عدن دخلت مرحلة جديدة من الفوضى الأمنية، حيث تتكاثر التشكيلات المسلحة بينما تتراجع سلطة المؤسسات وتضيع المسؤوليات بين الرعاة الخارجيين وأدواتهم المحلية.

ويرى مراقبون أن هذا المشهد يكشف مستوى التدهور العميق الذي تعيشه المدينة، في ظل ما تصفه الأوساط المحلية بتسريبات الفضائح المتلاحقة من داخل السجون والمقرات الأمنية، وما يرتبط بها من اتهامات تتعلق بالتعذيب والدعارة والمخدرات والانفلات المنظم، الأمر الذي جعل عدن تبدو أقرب إلى مدينة تدار بمنطق المجموعات المتصارعة لا بمنطق الدولة أو الإدارة المستقرة.

وعلى الضفة الاقتصادية، تتكامل صورة الانهيار مع الانكشاف الأمني، بعدما نسف الخبير الاقتصادي الدكتور علي المسبحي المزاعم التي تروج لها حكومة عدن حول ما تسميه “تعافياً اقتصادياً”، واصفاً تلك الادعاءات بأنها “فقاعات دعائية” لا صلة لها بواقع الناس، ولا تعدو كونها إبر تخدير سياسية وإعلامية لتغطية انهيار شامل يضرب مفاصل الاقتصاد في مناطق سيطرة التحالف.

وأكد المسبحي أن ما يُقدَّم على أنه تحسن اقتصادي ليس سوى نتيجة مؤقتة لمساعدات خارجية جرى استخدامها لترقيع قطاعي الكهرباء والرواتب، بالتوازي مع فرض سياسات جبائية جائرة رفعت الرسوم الضريبية والجمركية على المواطنين والتجار، ما فاقم الأعباء المعيشية بدلاً من معالجتها. واعتبر أن الأزمة أعمق بكثير من مجرد اختلال عابر، إذ تعود إلى انحدار هيكلي أصاب المؤسسات الإيرادية منذ عام 2015، بعدما تحولت إلى مزارع نفوذ ومحسوبيات تُدار بالولاء لا بالكفاءة، وباتت ساحة مفتوحة للصفقات المشبوهة والمشاريع العبثية الخارجة عن قانون المناقصات.

وساق الخبير الاقتصادي جملة من الأرقام التي تكشف حجم التدهور الحاد في أداء المؤسسات السيادية والإيرادية، موضحاً أن الإيرادات العامة تراجعت من 2066 مليار ريال في عام 2024 إلى 1435 مليار ريال في عام 2025، أي بانخفاض بلغ 31 في المئة، فيما تدهورت الإيرادات غير الضريبية من 217 مليار ريال عام 2016 إلى 121 مليار ريال فقط في عام 2024. أما الإيرادات النفطية، فقد توقفت بشكل كامل في عام 2024 بعد أن كانت عند حدود 39 مليار ريال في عام 2023، في مؤشر خطير على انهيار أحد أبرز الموارد التي كانت تشكل ركيزة أساسية للموازنة.

وحذر المسبحي من أن هذا الانهيار يضع سلطات عدن أمام خيارين كارثيين لا ثالث لهما: إما الغرق في مستنقع الاستدانة من البنوك لتغطية النفقات الجارية، أو الذهاب نحو بيع أصول الدولة لتأمين الرواتب والنفقات التشغيلية، وهو ما يعني عملياً الانتقال من إدارة أزمة إلى تفكيك ما تبقى من مقدرات الدولة.

وفي ختام تقييمه، حمّل المسبحي مجلس القيادة الرئاسي وحكومة عدن المسؤولية الكاملة عن هذا التدهور الشامل، مطالباً بفتح ملفات الفساد وإحالتها إلى النيابة العامة، بدلاً من الاكتفاء بما وصفه بـ مسرحيات الإصلاح الهامشية التي لا تلامس جذور الأزمة، ولا تقدم حلولاً حقيقية لحالة الترهل المالي والإداري والانهيار المؤسسي القائم.

وبذلك، تبدو عدن اليوم أمام مشهد مزدوج من الفوضى الأمنية والانهيار الاقتصادي؛ قوات مجهولة تنتشر في الشوارع من دون هوية واضحة، وسجون ومعتقلات تنفجر أزماتها من الداخل، وسلطات عاجزة عن ضبط الأمن أو حماية الاقتصاد، في وقت تتسع فيه هوة الثقة بين السكان والجهات المسيطرة. وما بين “دولة الظل” التي تُدار من خلف الستار، والأرقام الاقتصادية الكارثية التي تفضح الواقع، تتجلى عدن بوصفها نموذجاً صارخاً لفشل مشروع التحالف في إدارة المناطق التي يزعم تحريرها، بعدما حوّلها إلى ساحة خوف، وفوضى، وانهيار مفتوح.

spot_imgspot_img