ذات صلة

الأكثر مشاهدة

كندا ترفض الخضوع لواشنطن.. كارني يصعّد بوجه ترمب ويعيد رسم العلاقة مع الولايات المتحدة

دخلت المواجهة التجارية بين كندا والولايات المتحدة مرحلة جديدة،...

قراءة في دلالات الاحتشاد المليوني لليمنيين بذكرى المولد النبوي

في لحظة تاريخية استثنائية تجلّت فيها أسمى صور الوفاء،...

من أرض اليمن مولد النور ورسائل الانتصارات

من أرضٍ وصفها رسول الله صلى الله عليه وعلى...

إيران تنتصر في معركة الصبر

دائمًا ما كان خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أشبه بمرآة تعكس ما يدور في أعماق العقل السياسي الأمريكي من تناقضات، لكن تصريحاته الأخيرة بشأن إيران تتجاوز كونها مجرد تناقض لتصبح، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، شهادة وفاة رسمية لاستراتيجية “الضغط الأقصى” التي تبناها وفاخر بها لسنوات.

حين نستمع إليه وهو يتحدث عن أن إدارته “تبلي بلاء حسنًا” في التعامل مع إيران، ثم نراه في اللحظة ذاتها يقر بأن طهران “أضعف مما كانت عليه قبل أربعة أشهر” فقط، فإننا لا نكون أمام تقييم موضوعي للواقع، بل أمام اعتراف مبطّن بفشل استراتيجي مدوٍّ.

فالرجل الذي راهن على أن سياسة الخنق الاقتصادي والعقوبات القاسية ستجلب إيران إلى طاولة المفاوضات راكعة، يقف اليوم ليخبرنا بأن كل تلك السنوات من التصعيد لم تُفضِ إلا إلى اعتراف بائس بأن إيران لا تزال قادرة على الصمود، بل إنها باتت، من وجهة نظره هو شخصيًا، “أقوى” على نحو يجعلها ترفض الاستسلام لإملاءاته.

وهذه ليست تصريحات قائد منتصر يحصد ثمار استراتيجيته، بل هي نشيج قائد عالق في مستنقع صنعه بيديه، ينظر إلى الخريطة ليكتشف أن خصمه لم ينكسر، بل إن قوته التفاوضية ازدادت رسوخًا.

وفي قلب هذه التصريحات يكمن اعتراف أكثر دماراً لهيبة الخطاب الأمريكي، حين يقول ترمب إن “الإيرانيين يرغبون في القيام بشيء ما دبلوماسيًا لكنني أقول إنهم ليسوا مستعدين بعد”.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا التصريح وكأنه اتهام لإيران بالمماطلة، لكن تفكيك العبارة بعمق يكشف عن شيء آخر تمامًا.

إن توصيفه للإيرانيين بأنهم “يرغبون” في الدبلوماسية هو اعتراف ضمني بأن طهران هي الطرف العقلاني الذي يبقي قنواتِ الحل مفتوحة، في مقابل طرف أمريكي يهدد ويتوعد.

أما قوله إنهم “ليسوا مستعدين بعد”، فليس دليلًا على ضعفهم، هو دليل ساطع على صلابة موقفهم وشروطهم التي لم تعد واشنطن قادرة على فرض التنازل عنها.

إنهم ليسوا مستعدين للخضوع لإملاءات الضغط الأقصى، ليسوا مستعدين للقبول باتفاق لا يحترم سيادتهم، ليسوا مستعدين للتفاوض وهم جاثون على الركب كما كان يأمل ترمب.

وهنا يتحول التصريح من كونه هجومًا إلى كونه شهادة بأن إيران قد عصفت بكل حساباته، وأفشلت رهانه على انهيارها الداخلي، وأثبتت أن الصبر الاستراتيجي قادر على ابتلاع سياسة الضغط الأقصى وتحويلها إلى مجرد ذكرى مريرة في التاريخ السياسي.

ثم تأتي الجملةُ الأكثر كشفًا وانكشافًا في خطاب ترمب، حين يعلنها صريحة مدوية: “إذا لم تتحرك الولايات المتحدة ضد إيران فلن يتحرك ضدها أحد”.

وهذا الاعتراف بأنه “وحيد” هو انكشاف كامل لمدى العزلة التي تعيشها واشنطن في موقفها المتصلب تجاه طهران.

إنه يخبرنا ضمنا أن العالم، بكل تكتلاته الأوروبية والآسيوية وحتى بعض حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة، إما يقف مع إيران في خندق الصمود أو يقف على الحياد الرافض للمغامرات العسكرية والتصعيدية.

عندما يقول إن أحدًا لن يتحرك لو لم تتحرك أمريكا، فهو يكشف عن هشاشة التحالف الذي يحاول بنيانه.

إنه يقر، من حيث لا يدري، بأن الشرعية الدولية التي كانت تساند الضغوط قد تآكلت، وأن إيران نجحت في إدارة معركة الوعي العالمي لصالحها، حتى باتت الدول تتعامل معها كدولة واقعة، قوية، ذات مصالح مشروعة، في مقابل قوة عظمى متقلبة المزاج يترأسها رجل يعترف بلسانه بأن لا أحد يقف معه حقًا.

وهكذا، فإن هذه التصريحات الأربعة حين تُنسج معًا في سردية واحدة، فإنها لا ترسم صورة إيران الضعيفة التي يريد ترمب إيهامنا بها، بل على العكس تمامًا، ترسم ملامح انتصار استراتيجي إيراني هادئ وثابت.

إنها تروي قصة نظام ازداد صلابة، وقوة تفاوضية تعززت بفعل فشل خصمه في حشد العالم ضده.

إن ترمب، الذي دخل الحلبة صاخباً بسياسة الضغط الأقصى، يخرج منها اليوم وقد تحول خطابه إلى مزيج من التهديد والعزلة والاعترافات المرة.

إنه يقف أمام إيران التي يراها كل يوم أقوى وأكثر حضوراً في معادلات المنطقة، وأقرب إلى انتصار الصبر على الغطرسة.

إن تصريحات ترمب الأخيرة في حقيقتها هي الصفحة الأخيرة في كتاب استراتيجية أثبتت فشلها، كتبها بيديه، وأملاها عليه صمود طهران التي لم تزدها سنوات الحصار إلا إيماناً بعدالة قضيتها، وأنها قادرة على أن تقلب الطاولة على كل راهن على سقوطها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فهد شاكر أبوراس

spot_imgspot_img