إنّ استمرارَ الحصار على اليمن والإصرار المتواصل على المقاربات العسكرية في إطار تحالفات متعددة الجنسيات بقيادة السعودية وبمشاركة دول مثل البحرين وجيبوتي ومصر والأردن والكويت وجزر المالديف وباكستان وقطر والصومال والسودان وتركيا والحكومة الانتقالية في اليمن، لا يعبّر بقدر ما يعبّر عن إرادة متماسكة واستراتيجية لحل النزاع، عن حالة من الارتباك وأزمة عميقة في فَهم الحقائق الميدانية والجيوبوليتيكية لغرب آسيا.
لقد حوّلت تجربةُ أكثرَ من عقد من القتال غير المتكافئ والحصار الجائر اقتصاديا ودوائيًّا وغذائيًّا المفروض على الشعب اليمني ظاهرة صمود أنصارالله إلى متغير ثابت ومحلي لا يمكن إنكاره في معادلات الإقليم.
كما أثبت الفشل الواضح وغير القابل للجدل للتحالفات السابقة، تحت توجيه الولايات المتحدة والقوى الغربية، في كبح القدرات الدفاعية والصاروخية لصنعاء، بجلاء أنّ نموذج العقائد العسكرية الكلاسيكية المتمحورة حول التكنولوجيا عاجز أمام تيار شعبي يستند إلى دوافع أيديولوجية وقاعدة اجتماعية راسخة وقدرات محلية، ولا يملك القدرة على تغيير المعادلات.
وفي هذا السياق، يبيّن التحليل البنيوي لهذا التحالف أنّنا أمام تركيبةٍ غير متجانسة وإلى حد بعيد جوفاء؛ تحالف يضم فاعلين إمّا يفتقرون إلى أية قوة عسكرية مؤثرة لتغيير ميزان القوى، وإمّا أنهم عالقون في دوامة مشكلات اقتصادية وأمنية وأزمات بنيوية متعددة.
إن حضورَ دول مثل جيبوتي والصومال والسودان في هذه الجبهة لا يُعدّ مكسبًا عسكريًّا أو عملياتيًّا بقدر ما يذكّر بحالات عدم الاستقرار الداخلي والضعف البنيوي في هذه الدول التي تعتمد هي نفسها على المساعدات الخارجية من أجل البقاء.
ومن جهة أخرى، فإن دولًا مثل مصر والأردن، التي تواجه أزمات اقتصادية عميقة وتضخمًا غير مسبوق وضغوطًا اجتماعية متزايدة، تُهدر بدخولها هذا المسار رأسمالها السياسي والاقتصادي في طريق لن يحقق لها أي مكسب استراتيجي، وسيؤدي فقط إلى إضعاف موقعها الإقليمي بدل التركيز على معالجة أزماتها الوطنية.
ويكشف النظر بدقة أكبر إلى وضع أربعة من أعضاء هذا التحالف، وهم الكويت وقطر والبحرين والأردن، أبعادًا أخرى لهذا الضعف البنيوي.
فهذه الدول تُعرّف، أكثر مما تُعرّف بوصفها فاعلين مستقلين يمتلكون قدرة ردع محلية، ضمن إطار نظام أمني مستورد وتحت دعم مباشر من أمريكا.
إن اعتمادها الواسع على المظلة الدفاعية لواشنطن وتسليم أدواتها الأساسية للأمن الإقليمي إلى قوى خارج المنطقة، يدل على أنّ جزءًا مهمًّا من قراراتها الاستراتيجية يتشكل خارج الإرادة الوطنية.
وفي ظل هذه الظروف يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن لدول بهذا المستوى من الاعتماد البنيوي والعجز عن الدفاع المستقل أن تظهر في موقع الفاعل المؤثر ضد اليمن وقواه المحلية.
إن مشاركة هذه الدول في التحالف ضد اليمن ليست دليلًا على القوة، إنما انعكاس لأزمة استقلال وضعف في صياغة سياسة إقليمية قائمة على المصالح المتبادلة وحسن الجوار.
ومع تحولها إلى منفذ لسياسات أمريكا وكيان الاحتلال خارج الإقليم، فإنها تسير عمليا في طريق التآمر وصناعة عدم الاستقرار ضد جيرانها، في الوقت الذي ستكون فيه من أوائل الأطراف التي ستعجز، إذا اتسعت الأزمة، عن مواجهة تبعاتها الأمنية والجيوبوليتيكية.
وفي هذه المعادلة، تحمل مشاركة باكستان وتركيا أيضًا أبعادًا متناقضة ومكلفة.
فباكستان، بوصفها القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، تواجه اليوم واحدة من أصعب مراحلها التاريخية على صعيد الأمن القومي والانهيار الاقتصادي.
إن دخولَ إسلام آباد هذا المسار يُعد نوعًا من الإضرار الاستراتيجي بالنفس؛ لأنها عبر الانخراط في المشاريع الأمنية الأمريكية تتحرك، من حيث لا تشعر، في اتجاه تعزيز مصالح الكيان الصهيوني؛ ذلك الكيان الذي لطالما اعتبر باكستان النووية في عقائده الأمنية تهديدًا محتملًا وهدفًا مشروعًا.
أمّا تركيا، فبفعل تناقض سلوكي حاد، تعيشُ حالةَ استنزاف كبيرة لقوتها الناعمة في نظر الرأي العام في العالم الإسلامي.
فأنقرة التي تتخذُ في خطابها السياسي وضعيةَ الناقد لسياسات كيان الاحتلال والمدافع عن المظلومين، تتحرك عمليًّا بوصفها عضوًا ناشطًا في حلف الناتو وشريكا استراتيجيا لواشنطن في اتجاه إضعاف جبهة المقاومة وحماية مصالح القوى الغربية؛ وهو نهج مزدوج لن تكون نتيجته إلا تعميق النفور التاريخي لدى الشعوب المسلمة من سياسات هذه الدولة.
وفي النهاية، أثبتت الوقائع الميدانية في غرب آسيا أن الأمنَ ليس سلعة تُشترى، وأن التحالفات الورقية لا تستطيع كسر إرادة شعب مقاوم.
وعلى المملكة السعودية، بوصفها المحرِّكَ الرئيسَ لهذه الجبهة، أن تدركَ أن استمرارَ الحصار الجائر على اليمن والإصرار على الخيارات العسكرية لن يؤديَ إلا إلى تعميق الأزمة وعودة التهديدات الأمنية إلى داخل حدودها.
إن النار التي أُضرمت في المنطقة بتحريض أمريكا وكيان الاحتلال ستطال في النهاية جميع المشاركين في هذا المشروع.
ومن المؤكد أن استمرار هذه السياسات العدائية ومسايرة الدول المذكورة للخطط القادمة من خارج الإقليم لن يدفع أنصار الله إلى التراجع، فسيقود إلى رد حاسم وشامل؛ رد يتجلى في تشديد القيود على حركة مرور السفن المرتبطة بهذه الدول عبر مضيق باب المندب الاستراتيجي، فضلًا عن تعاظم المخاطر التي تتهدد البنى التحتية والمنشآت الحيوية والنفطية لديها، بما يفرض كلفا باهظة على بنيتها الاقتصادية والأمنية.
