تتسارع التحولات السياسية المحيطة بالملف اليمني بالتوازي مع التقدم العسكري الذي حققته قوات صنعاء على الساحل الغربي وباب المندب، في مشهد نقل المواجهة من محاولات احتواء صنعاء عسكريًا وسياسيًا إلى فتح قنوات اتصال مباشرة معها والبحث عن وساطات لوقف التصعيد.
ووصفت وكالة «رويترز» التطورات العسكرية الأخيرة بأنها وجهت «ضربة كبيرة» للسعودية، بعدما تمكنت قوات صنعاء من تحقيق مكاسب سريعة على امتداد الساحل الغربي والسيطرة على مواقع استراتيجية قريبة من باب المندب، وسط تراجع القوات المدعومة من الرياض وتركها معدات وأسلحة في عدد من المواقع. كما أشارت الوكالة إلى أن التطورات كشفت إخفاقات استخباراتية وحسابات سعودية لم تتمكن من تقدير حجم التحرك العسكري قبل انطلاقه.
ولم تبقَ نتائج التحول الميداني داخل حدود اليمن؛ فمع اتساع سيطرة صنعاء قرب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، تحولت إلى طرف تجري معه واشنطن محادثات مباشرة في مسقط، حيث التقى مسؤولون أمريكيون ممثلين عن صنعاء لبحث استمرار التهدئة وأمن الملاحة في البحر الأحمر.
وفي المقابل، لم تحصل الرياض على التدخل العسكري الأمريكي المباشر الذي كانت تسعى إليه. وأفادت صحيفة «الجارديان» بأن الولايات المتحدة قررت عدم مساندة السعودية عسكريًا في محاولة وقف تقدم قوات صنعاء، مع تمسك واشنطن باتفاق وقف إطلاق النار بينها وبين صنعاء وعدم رغبتها في فتح جبهة عسكرية جديدة.
وبذلك، انتقلت واشنطن عمليًا من جولات المواجهة العسكرية المباشرة مع صنعاء إلى المحادثات والحفاظ على الهدنة، في الوقت الذي بقيت فيه المواجهة السعودية–اليمنية خارج نطاق التدخل العسكري الأمريكي المباشر.
وتزامن ذلك مع تحرك سعودي باتجاه الصين، حيث كشفت «رويترز» أن الرياض طلبت من بكين استخدام نفوذها لدى طهران للمساعدة في احتواء التصعيد مع صنعاء، ما دفع الصين إلى التواصل مع إيران والدعوة إلى منع اتساع المواجهة حول البحر الأحمر وباب المندب.
وتبرز هذه الخطوة تحولًا مهمًا في مسار الأزمة؛ فبعد سنوات كان فيها الضغط العسكري والسياسي هو الأداة الرئيسية في التعامل مع صنعاء، أصبحت الرياض نفسها تبحث عن قنوات إقليمية ودولية للوساطة ووقف التصعيد، بالتزامن مع استمرار الاتصالات التي تقودها سلطنة عمان.
وعلى المستوى الدولي، أضافت روسيا قناة اتصال سياسية مباشرة مع صنعاء، بينما دفعت تطورات باب المندب والبحر الأحمر القوى الكبرى إلى التعامل بصورة أكثر مباشرة مع السلطة القائمة في العاصمة اليمنية، نظرًا إلى الوزن المتزايد الذي باتت تمثله في معادلات الأمن البحري والإقليمي.
ويأتي ذلك في ظل وضع عسكري وصفته «رويترز» بأنه أظهر السعودية في موقع جيوسياسي أكثر صعوبة، مع محدودية الدعم الغربي المباشر وتراجع القوات اليمنية المتحالفة معها في الساحل الغربي، بينما أصبحت التطورات حول باب المندب عاملًا مؤثرًا في حسابات النفط والتجارة والملاحة الدولية.
وهكذا، ترسم التطورات الأخيرة تحولًا واضحًا في ميزان التعامل السياسي مع صنعاء: تقدم ميداني على الساحل، حضور مباشر عند باب المندب، مفاوضات مع واشنطن، اتصال مع موسكو، ووساطات دولية تطلبها الرياض لاحتواء التصعيد.
