ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن شروع دول الخليج في البحث عن خيارات أمنية جديدة بعد فشل القواعد الأميركية في ردع إيران، ليس مجرد قراءة صحافية لتحول محتمل، بل توثيق أميركي لبداية انقلاب في المقاربة الخليجية للحرب.
فالصحيفة تقول إن الإمارات والبحرين تتحركان نحو التفاوض المباشر مع إيران، وإن السعودية بدأت تنظر بإيجابية إلى هذا المسار، بعدما أظهرت الحرب أن الوجود العسكري الأميركي لم يوفر الحماية لدول الخليج، بل جعل القواعد الأميركية المنتشرة فيها أهدافاً للصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
تستعيد نيويورك تايمز مثال قاعدة الأسطول الخامس الأميركي في البحرين التي تعرضت لضربة قاسية، واضطرت واشنطن إلى إجلاء معظم العاملين فيها، كما تتحدث عن إصابة منشآت حيوية وفنادق ومطارات ومراكز اقتصادية، وصولاً إلى استهداف خط النفط السعودي شرق غرب وتعطيل قدرته على تعويض إغلاق مضيق هرمز.
والخلاصة التي تريد الصحيفة الوصول إليها واضحة، وهي أن دول الخليج اكتشفت أن معادلة الحماية الأميركية لا تحميها، وأن عليها البحث عن صيغة أمنية جديدة تتضمن التفاهم المباشر مع إيران.
ما جرى في اليمن كان الكلمة الفصل التي نقلت الرياض من انتظار التدخل الأميركي إلى التفكير في العودة إلى التفاوض. عندما تقدمت قوات أنصار الله نحو المخا وذوباب وميون، وأحكمت سيطرتها العملياتية على باب المندب، بدا أن التوازن الإقليمي يدخل مرحلة جديدة.
فالسعودية التي كانت تعاني من إقفال هرمز وجدت طريقها البديل عبر البحر الأحمر مهدداً، ثم جاء استهداف خط شرق غرب ليقول إن البدائل البرية والبحرية ليست بمنأى عن النار.
راهنت الرياض على هجوم معاكس سريع يمنع أنصار الله من تثبيت مواقعهم الجديدة.
وسعت طلب المعونة الأمريكية، وفشلت لأن واشنطن فصلت مسار علاقتها باليمن عن المسار السعودي وتمسكت بوقف إطلاق النار مع انصار الله، وهكذا مر اليوم الأول والثاني، ثم انقضت خمسة أيام، ولم يقع الهجوم الموعود.
تواصل القصف الجوي، لكنه بقي دون المستوى الذي تعرض له اليمن منذ بدء الحرب السعودية عام 2015، ودون مستوى الغارات الأميركية والإسرائيلية التي جاءت رداً على إسناد غزة.
ومن صمد أمام هذه الحروب لن تدفعه غارات سعودية إضافية إلى الانسحاب من مواقع تمنحه اليد العليا على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
عندما طلبت السعودية تدخلاً أميركياً مباشراً، وجاء الجواب بالرفض. لم تكن واشنطن مستعدة للدخول في حرب برية أو جوية واسعة في اليمن، بينما تستنزف مخزوناتها الصاروخية في حرب إيران، وتواجه أزمة في حماية قواعدها وسفنها وممرات النفط.
لكن الرفض الأميركي كشف للسعودية أن الضمانة التي راهنت عليها لا تعمل عندما تصبح كلفة الحماية مرتفعة. لم يعد السؤال في الرياض كيف يمكن استعادة باب المندب بالقوة، بل كيف يمكن تجنب تحول السيطرة اليمنية إلى حصار طويل للاقتصاد السعودي.
من هنا يبدأ معنى التحول الذي رصدته نيويورك تايمز. الإمارات سبقت إلى فتح قنوات مباشرة مع إيران، والبحرين بدأت تبحث عن استعادة العلاقات، لكن التحول الحاسم يبقى سعودياً.
فالسعودية هي التي كانت تعطل الانتقال من الاتصالات المنفصلة إلى التفاوض الإقليمي الشامل، وهي التي تحفظت على اجتماع صلالة، أملاً في أن ينجح الضغط العسكري في تعديل التوازن قبل الجلوس إلى الطاولة.
أما بعد باب المندب، واستهداف خط شرق غرب، ورفض واشنطن التدخل، فقد سقطت الوظيفة الأساسية للمهلة التي أدت إلى تأجيل الاجتماع.
لهذا تصبح العودة إلى صلالة مرجحة، ليس لأن الخلافات حُلّت، بل لأن البدائل سقطت.
كانت صلالة معدة لاستضافة وزير الخارجية الإيراني ووزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي والعراق، ومناقشة مشروع ممر آمن للملاحة في مضيق هرمز.
وقد أرادت السعودية والولايات المتحدة فصله عن التسوية السياسية الشاملة، بينما تمسكت إيران بأن أمن الملاحة لا ينفصل عن وقف الحرب ورفع الحصار والعودة إلى مذكرة التفاهم.
اليوم تؤكد الوقائع أن فتح ممر بحري تقني لا يحل الأزمة، لأن هرمز ليس الممر الوحيد المهدد، ولأن باب المندب دخل المعادلة، ولأن خط ينبع نفسه أصبح هدفاً قابلاً لتكرار الاستهداف.
العودة إلى صلالة لن تكون عودة إلى الاجتماع نفسه بالشروط القديمة.
السعودية سوف تدخل هذه المرة وهي تعرف أن أنصار الله ثبتوا مواقعهم، وأن أميركا لا تريد خوض الحرب عنها، وأن ضخ مليون برميل إضافي عبر مسار بديل لا يعوض خروج خمسة ملايين برميل من الخدمة.
وإيران سوف تدخل وهي تملك أوراق هرمز، وحلفاؤها يملكون أوراق باب المندب، بينما يواصل سعر النفط إثبات أن السوق لا تصدق بيانات التطمين الأميركية.
قد تتأخر الدعوة الجديدة أياماً، وقد تسبقها اتصالات سعودية إيرانية وأميركية إيرانية ووساطات عُمانية وصينية، لكن الاتجاه اصبح واضحاً.
صلالة لم تسقط، بل تأجلت بانتظار جواب الميدان.
وجاء الجواب من اليمن، لا تسوية للملاحة من دون تسوية للحرب، ولا أمن للخليج بالاحتماء بالقواعد الأميركية، ولا طريق أمام السعودية سوى الاعتراف بميزان القوى الجديد والذهاب إلى تفاهم إقليمي تكون إيران واليمن شريكين أساسيين فيه.
