الحكومة السعودية الحالية خسرت أهم وأقوى أوراقها السياسية؛ ألا وهي «القوة الدينية الناعمة»، بعد أن وظفت الكثير من علماء الدين الإسلامي، وجعلت هذه الشخصيات الدينية تصدر الفتاوى الخاصة بحماية الحكام والعرش للأسرة الحاكمة في بلاد نجد والحجاز.
وتبلورت هذه الدولة المشؤومة بعد نكبة العرب الكبرى ووعد بلفور، وأفصحت عن إنفاق الأموال الطائلة على علماء الدين -حسب مواصفاتها- وجعلتهم مظلة لتحركاتها وسيطرتها على المنطقة سياسياً وعسكرياً، وفي قمع وإسقاط أنظمة عربية عبر فتاويها المظللة.
ومن الشواهد على ذلك ما فعلته في العراق، حين جعلت من استغلال مكانة المقدسات في نفوس شعوب الأمة مصدراً لتعزيز نفوذها، ويافطة لتحريك علمائها لتأليب الشعوب، وإشعال الحرب ضد النظام العراقي، وإسقاط الرئيس صدام حسين كهدف سياسي، بفتاوى إيمانية جهادية إسلامية تدمج فيها الطاعة لله ورسوله.
ومنذ ذلك الحين، جعلت الحكومة السعودية من علماء الدين قوة ناعمة تستطيع أن تسقط وتقتل وتدمر أنظمة، وتستهدف قيادات دول عربية وإسلامية عبر فتاويهم؛ فالإسلام والدين كانا للحكومة السعودية بمثابة ورقة رابحة في عهد حكم الأسرة الحاكمة المتمثلة في أبناء الملك عبد العزيز آل سعود.
وبعد أن انسلخت عن قيم ومبادئ وآداب الإسلام، وكشفت عن سوأتها أمام العالم بحفلات المجون والانحطاط والترفيه، ومساندة كيان العدو الإسرائيلي، والتفاخر بالولاء لأعداء الأمة، وإشعال نار الفتنة بين شعوب الأمة، واستهداف حركات الجهاد والمقاومة في فلسطين ولبنان ومختلف الأقطار؛ هل تستطيع الحكومة السعودية أن تتحرك وتحشد عسكرياً عبر الهيئة العلمائية من الداخل؟
وهل بمقدورها أن تدعو علماءها للتحشيد للجهاد بفتاوى، وأن تتحرك في البلدان العربية والإسلامية للجهاد في اليمن؟ وهل ستجد في هذه المرحلة من يتجاوب معها من قيادات الدول العربية، أو من الدول والتنظيمات الإسلامية؟
وهل سنجد استجابة لها بالانضمام إلى صفها للقتال في اليمن -مثلاً- بقناعة دينية إسلامية؟ ومن سيقاتل معها تحت عناوين دينية تنكرت لها ورمتها في جزيرة إبستين (Epstein)، وشاركت في سفك دماء غزة، وفقدت مصداقيتها في تدمير سوريا واليمن والسودان وليبيا؟ وهل بقي من يصدقها ويُتعامل معها من منطلقات دينية؟ ويمكن أن يقدم نفسه للقتال تحت رايتها من منطلق ديني لا مالي؟
لكن الحقيقة اليوم مختلفة؛ فالحكومة السعودية لن تستطيع أن تجعل من الإسلام مظلة لها تتحرك وتحارب وتستهدف جماعة تحت شماعة أن تلك الدول أو الأنظمة لها علاقات سياسية واستخباراتية أو تتعاون مع جماعات أو مع أمريكا أو مع بريطانيا أو مع كيان العدو الإسرائيلي؛ فلا أحد يصدق ذلك؛ لأن علاقة وتعامل الحكومة السعودية الحالية معروفة، وقد فتحت أبوابها على مصراعيها أمام سياسة الماسونية العالمية.
لذلك، فإن الهيئة العلمائية في بلاد الحرمين خابت، ولم يبقَ لها أثر إن حاولت الظهور أمام شعوب العالم العربي والإسلامي، ولن تستطيع الظهور على القنوات لإصدار فتاوى تدعو إلى الجهاد كما فعلت في السابق، حين تحركت في معارك مع دول وأنظمة عربية، وهي اليوم في حرب مباشرة مع قوى الاستكبار (أمريكا وبريطانيا وكيان العدو الإسرائيلي)، واستطاعت آنذاك أن تقنع الكثير من الأنظمة، وكان هناك تجاوب معها من قبل الشعوب العربية والإسلامية التي سُرّب إلى جسدها سم الفكر الوهابي ودور العلوم الشرعية التكفيرية.
ولكن، من بعد الزج بالكثير من العلماء في غياهب السجون، والسماح بفتح البارات والمراقص، والترويج للكحول، واستضافة مغنيات وراقصات وعاهرات من مختلف الجنسيات، وإقامة حفلات الغناء والرقص والمجون، فلم يبقَ في يدها أي ورقة ذات نكهة دينية تستطيع أن تتحرك وتلعب بها.
وذاكرة الشعوب لا تزال حافظة للإساءة المتعمدة من قبل عاهرات الغرب لله ورسوله وللمؤمنين وللبيت الحرام بمكة المكرمة في مسرح رقص، تحول في ذاكرة الأمة إلى سقوط مخزي وانحطاط علني لبن سلمان وتوجهاته المنحرفة.
