ذات صلة

الأكثر مشاهدة

316 سفينة تعبر باب المندب.. أرقام الملاحة تفند رواية تعطيل الممر الدولي

أكدت وزارة النقل في صنعاء استمرار الحركة الملاحية عبر...

ثورة 21 سبتمبر المجيدة: يوم استعاد اليمن قراره السيادي

تُعد ثورة 21 سبتمبر في اليمن محطة تاريخية استثنائية...

مآلات الصراع “الروسي الأوكراني” بعد 4 سنوات.. استنزاف ميداني وصدام دولي على حافة “الردع النووي” وسط تحذيرات روسية من “نقطة اللاعودة”

بعد مرور أربع سنوات على اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، لم يعد ممكناً التعامل معها كحرب حدود أو نزاع إقليمي تقليدي، لأن ما يجري اليوم هو مسرح صدام مركّب تتداخل فيه المعركة البرية، وحرب الإرادات، والإنهاك الاقتصادي، والرسائل النووية، وإعادة تشكيل موازين القوة في أوروبا والعالم. الحرب لم تُنتج تسوية، ولم تمنح أي طرف نصراً حاسماً، لكنها أنتجت واقعاً أخطر: استدامة الصراع بوصفه أداة لإعادة هندسة النظام الدولي بالقوة.

المشهد الميداني والسياسي الحالي يكشف ثلاث حقائق مركزية:
أولاً: أوكرانيا لم تنهَر رغم الكلفة الهائلة، لكنها تحولت إلى دولة حرب طويلة الأمد، تعيش على التماسك السياسي والدعم الغربي واستمرار التعبئة.
ثانياً: روسيا لم تُحسم ضدها الحرب كما راهن خصومها، بل أعادت تموضعها ميدانياً واستراتيجياً، ونجحت في فرض إيقاع استنزاف طويل يرهق كييف وحلفاءها.
ثالثاً: التصعيد الكلامي النووي لم يعد مجرد تهويل إعلامي، بل صار جزءاً بنيوياً من إدارة الصراع، سواء في الردع أو الابتزاز أو رفع سقف التفاوض.

في الداخل الأوكراني، عادت العاصمة كييف إلى مشهد الحرب الثقيلة: قصف للبنى التحتية، انقطاع كهرباء وتدفئة، وعودة الإحساس الجمعي بأن البلاد لم تخرج يوماً من دائرة الخطر. هذا مهم سياسياً وعسكرياً، لأن استهداف البنية التحتية ليس فقط لإحداث الضرر، بل لإعادة تشكيل الإدراك الشعبي للحرب: إنها معركة استنزاف مجتمعي، وليست مجرد معركة جبهات. حين تُضرب الطاقة والخدمات، يصبح الضغط على القرار السياسي في كييف أكبر، وتتضاعف كلفة الصمود.

الأرقام المطروحة عن الخسائر والتهجير (آلاف القتلى والجرحى المدنيين، وملايين المهجرين، وعشرات آلاف القتلى العسكريين) ليست مجرد إحصاء إنساني؛ هي مؤشر على طبيعة الحرب التي دخلت طورها البنيوي. أي أن المجتمع نفسه صار جزءاً من ساحة المعركة: الاقتصاد، الخدمات، المعنويات، ملف الأسرى، الذاكرة الجماعية، وحتى الخطاب العام. وهذا ما يفسر لماذا تبدو كييف متصلبة في خطاب “السلام العادل”: لأنها تدرك أن أي تسوية لا تحفظ السيادة ستُقرأ داخلياً كهزيمة تاريخية بعد هذا الحجم من الدم والدمار.

في المقابل، القراءة الروسية للميدان تقوم على قاعدة مختلفة: التقدم البطيء مع استنزاف الخصم. موسكو لا تحتاج ـ في هذه المرحلة ـ إلى اختراقات دراماتيكية يومية بقدر ما تحتاج إلى تثبيت معادلة تقول إن الزمن يعمل لصالحها: مساحة سيطرة أكبر، استنزاف للقوات الأوكرانية، إنهاك للغرب، وتراكم خبرة قتالية. هذا ما يفسر اللغة الروسية المتكررة حول “تحقق الأهداف عاجلاً أم آجلاً”. إنها ليست لغة نصر خاطف، بل لغة حرب طويلة محسوبة.

المدن المدمرة في الشرق والجنوب ليست فقط دليلاً على قسوة المعارك، بل هي أيضاً جزء من فلسفة الصراع الحالية: تحويل المجال العمراني إلى عبء استراتيجي. المدن التي كانت مراكز اقتصادية وسكانية أصبحت أنقاضاً، ما يعني أن إعادة الإعمار نفسها ستتحول لاحقاً إلى أداة ضغط سياسي ومالي على أوكرانيا وأوروبا. لذلك، حتى في غياب الحسم العسكري، هناك حسم تدريجي في شكل الدولة الأوكرانية المستقبلية، وفي كلفة بقائها ضمن المعسكر الغربي.

الأخطر من ذلك كله هو انتقال الحرب إلى مستوى الاشتباك النووي الرمزي والسياسي. اتهام الاستخبارات الروسية لبريطانيا وفرنسا بالسعي إلى تزويد أوكرانيا بمكونات أو تقنيات نووية، أو تمكينها من “قنبلة قذرة”، يجب فهمه في إطار أوسع من مجرد صحة الادعاء أو عدمها. موسكو هنا تقوم بعدة أمور في وقت واحد:

  • رفع سقف التهديد: أي إدخال الغرب في منطقة محرّمة أخلاقياً وسياسياً، ولو على مستوى الاتهام.

  • بناء مبرر ردعي مسبق: بمعنى أن روسيا تُمهّد لتبرير أي تصعيد لاحق باعتباره رداً على تهديد غير تقليدي.

  • إعادة تخويف أوروبا: خصوصاً من كلفة الانخراط العسكري العميق، وإظهار أن استمرار الدعم قد يقود إلى سيناريو نووي.

  • تعطيل مشاريع الردع الأوروبي المستقل: عبر ضرب صورة فرنسا وبريطانيا بوصفهما طرفين “مغامرين” نووياً.

بمعنى أوضح: موسكو لا تستخدم الملف النووي هنا فقط كقضية أمنية، بل كـ أداة حرب نفسية واستراتيجية لتقييد هامش الحركة الغربي.

ومن زاوية التحليل العسكري-السياسي، فإن حديث موسكو عن “القنبلة القذرة” تحديداً ليس عفوياً. هذا المصطلح يقع في المنطقة الرمادية بين السلاح النووي الكامل والسلاح التقليدي، وبالتالي هو مثالي في الحرب الدعائية: يثير الذعر، يرفع المخاطر، ويمنح الطرف المتهم (روسيا هنا) فرصة لتبرير إجراءات استثنائية دون الحاجة إلى إثبات وجود برنامج نووي متكامل لدى أوكرانيا. لهذا السبب، حتى لو كان الاتهام غير مثبت، فإنه فعال سياسياً لأنه يُدخل الصراع في مناخ “العتبة النووية” ويجعل كل دعم غربي لاحق محاطاً بالشكوك.

انتهاء معاهدة “نيو ستارت” يزيد المشهد خطورة، لأن العالم يدخل فعلاً مرحلة تآكل الأطر الضابطة للردع النووي. في السابق، كانت هناك قواعد اشتباك واستقرار نسبي بين القوى الكبرى حتى في ذروة التوتر. أما اليوم، فهناك حرب فعلية في أوروبا، وانقسام دولي حاد، وتراجع الثقة الاستراتيجية، وتنافس نووي متجدد، وخطاب سياسي أكثر عدوانية. هذا يعني أن الخطأ في الحسابات أو سوء التقدير لم يعد احتمالاً بعيداً، بل صار جزءاً من بيئة القرار اليومية.

خطاب بوتين الأخير يعكس هذا التحول بدقة. هو لم يكتفِ بالحديث عن الحرب في أوكرانيا، بل وضع الصراع ضمن سياق أوسع: محاولة غربية لإلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا. هذه العبارة هي المفتاح لفهم السلوك الروسي. عندما تصف موسكو الصراع بأنه “هزيمة استراتيجية” مستهدفة، فهي تنقل الحرب من خانة النزاع الجغرافي إلى خانة الصراع الوجودي على مكانة الدولة الروسية نفسها. وفي هذه الحالة، تصبح كل الأدوات مشروعة في المنطق الروسي: التصعيد، التهديد، الضربات العميقة، الحرب السيبرانية، والردع النووي.

تحذير بوتين من “نقطة اللاعودة” ليس مجرد تعبير بلاغي، بل رسالة متعددة الاتجاهات:
إلى الغرب، بأن الضغط الإضافي قد يدفع روسيا إلى خيارات أخطر.
إلى الداخل الروسي، بأن الدولة في مواجهة مشروع خارجي كبير ويجب تعبئة المجتمع والأجهزة.
وإلى النخب الدولية، بأن موسكو تريد إعادة فرض نفسها لاعباً لا يمكن تطويقه أو تجاهله.

وفي الوقت نفسه، تركيز بوتين على الهجمات داخل روسيا، ومحاولات الاغتيال، وحماية المنشآت، والأمن السيبراني، يكشف أن موسكو باتت ترى الحرب كـ حرب اختراق داخل العمق الروسي، لا مجرد حرب على الجبهة. هذا تطور بالغ الأهمية، لأنه يعني أن روسيا ستوسّع تعريفها لـ”مسرح العمليات”، وبالتالي قد توسّع أيضاً نطاق الردود.

أما من ناحية الغرب، فالمعضلة أصبحت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. الولايات المتحدة وأوروبا تريدان منع انتصار روسي صريح، لكنهما لا تريدان أيضاً الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو نووية. وهذا يخلق تناقضاً بنيوياً: دعم كافٍ لمنع هزيمة أوكرانيا، لكن غير كافٍ لحسم الحرب. هذه المعادلة هي التي أطالت الصراع، وهي التي تجعل الحرب تستمر كحالة “نزف مسيطر عليه” بالنسبة للغرب، مقابل “استنزاف قابل للتحمل” بالنسبة لروسيا.

لكن هذه المعادلة نفسها بدأت تتعرض للاهتزاز مع النقاشات الأوروبية حول الردع المستقل والمظلة النووية الفرنسية، ومع تراجع اليقين الأوروبي تجاه الالتزام الأمريكي طويل المدى، خاصة في ظل التحولات داخل واشنطن. هنا تحديداً تحاول موسكو الاستثمار: تفكيك وحدة الموقف الغربي عبر التخويف النووي، والضغط الميداني، واستنزاف الوقت.

الخلاصة الاستراتيجية أن الحرب الأوكرانية دخلت عامها الخامس وهي تحمل سمات أخطر من بدايتها:
ليست حرب حركة سريعة، بل حرب إنهاك طويلة. ليست حرب حدود فقط، بل حرب نظام دولي.
وليست حرب أسلحة تقليدية فقط، بل حرب ردع نووي متدرج يجري استخدامه سياسياً ونفسياً بشكل يومي.

ولهذا، فإن السؤال لم يعد فقط: من سيتقدم ميدانياً؟ السؤال الأهم أصبح: إلى أي مدى يمكن إدارة هذا الصراع دون أن ينفلت إلى مستوى أعلى من التصعيد؟ وفي ظل انهيار الثقة، وتآكل اتفاقيات الضبط النووي، وارتفاع الخطاب التصعيدي، وتصلب أهداف الطرفين، فإن الخطر الحقيقي ليس فقط استمرار الحرب، بل تحولها إلى النموذج الجديد للصراعات الكبرى في القرن الحادي والعشرين: حرب مفتوحة زمنياً، متعددة المستويات، ومسنودة دائماً بظل نووي ثقيل.

spot_imgspot_img