ما يجري اليوم في اليمن يتجاوز حدود التوتر المحلي أو النزاع الإقليمي المحدود، ليكشف عن جانب عميق من المنافسة الجيوسياسية بين القوى الرئيسية في المنطقة، فمن وجهة نظر دول الخليج العربي، يُنظر إلى صعود أنصار الله في اليمن باعتباره جزءًا من استراتيجية توسيع «جبهة المقاومة»، ومحاولة لإعادة تشكيل النظام الإقليمي والتحكم في الممرات الاستراتيجية، وفي مقدمتها مضيق باب المندب.
وفي مقابل هذه الرواية التي يتبناها الخصوم، يبرز ما يمكن وصفه بـ«التقارب الاستراتيجي» بين إيران وجبهة المقاومة في اليمن، ووفق هذه الرؤية، فإن هذا التقارب لا يُختزل في مفهوم «التدخل» في الشؤون الداخلية، وإنما يأتي ضمن استراتيجية تستهدف بناء «ردع إقليمي» في مواجهة السياسات الهجومية للغرب وحلفائه. ومن المنظور الإيراني، لا يمثل اليمن لاعبًا هامشيًا أو مجرد ورقة بالوكالة، وإنما يشكل قوة استراتيجية في جنوب شبه الجزيرة العربية، يمكنها الإسهام في تغيير موازين القوى في مواجهة التدخلات الخارجية.
وفي الوقت ذاته، فإن الجذور المحلية لحركة أنصار الله تشكل عنصرًا أساسيًا في فهم طبيعة الصراع، فأنصار الله، خلافًا لبعض الادعاءات، ليسوا «صناعة إيرانية»، وإنما نشأت حركتهم كتيار ديني ومحلي بدأ نشاطه من المناطق الجبلية في شمال اليمن، ومع ذلك، لا يمكن إغفال الدور الذي أدته إيران في تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة لليمن إلى مستوى استراتيجي.
وإلى جانب الدعم الخارجي، يمتلك اليمن قاعدة عسكرية محلية وقدرة على إنتاج الأسلحة وتطويرها، وقد أظهرت تجربة العدوان على اليمن عام 2015 أن القوات اليمنية تمكنت، من خلال توظيف الخبرات المتاحة والابتكار، من تطوير المعدات التي كانت بحوزتها وإعادة استخدامها، ومن بينها صواريخ «سكود-بي» التي ورثتها عن الجيش في عهد علي عبد الله صالح، كما برز الاعتماد الذاتي في تأمين جانب من الاحتياجات الدفاعية، من خلال الاستيلاء على معدات عسكرية تابعة للمرتزقة السعوديين وقوات جيش منصور هادي.
ومن هذا المنظور، يمكن فهم جانب أساسي من الصراع اليمني باعتباره تنافسًا بين نموذجين للأمن الإقليمي: نموذج يستند إلى بناء قدرات الردع في مواجهة التدخلات الخارجية، ونموذج تقوده السعودية بهدف احتواء نفوذ المقاومة وإعادة موازين القوى بما يتوافق مع التقاليد الأمنية الإقليمية القائمة.
وقد سعت الرياض إلى مواجهة نموذج الردع الذي يتحدى التوسع الغربي في المنطقة، في ظل تنامي قلقها من اتساع نفوذ الجمهورية الإسلامية في العراق ولبنان والبحرين واليمن، ومحاولة احتواء ما يُسمى بـ«الهلال الشيعي» حفاظًا على موقعها الإقليمي.
وترى الرياض أن صعود أنصار الله في اليمن يتزامن مع تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو ما دفعها إلى النظر إلى التطورات اليمنية باعتبارها جزءًا من معادلة إقليمية أوسع، وفي هذا السياق، اتجهت السعودية إلى تنفيذ عدوان على اليمن، مستندة إلى التحالفات العسكرية وإلى نمط سلوكي هجومي، بهدف وقف التحولات في موازين القوى الإقليمية والحيلولة دون اتساع نفوذ خصومها.
ومع امتداد الحرب من عام 2015 إلى عام 2026، جاءت النتائج، على نحو مغاير لحسابات الفاعلين الغربيين ودول الخليج العربي، فقد تحول اليمن إلى إحدى نقاط الاختناق الرئيسية في معادلة الأمن الإقليمي، وأصبح موقعه الجغرافي وقدراته العسكرية عاملين مؤثرين في تحديد ملامح النظام الأمني الجديد في المنطقة، ومع هذه التحولات، لم تعد موازين القوى قابلة للفهم الكامل استنادًا إلى المعادلات القديمة، فيما بات اليمن حاضرًا في صلب الحسابات المتعلقة بمستقبل الردع والأمن الإقليمي.
