ذات صلة

الأكثر مشاهدة

السعودية تقصف أدواتها المنسحبة.. آليات “العمالقة” تحترق على طريق الفرار من الساحل الغربي

تداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي مقطعًا مصورًا يظهر...

الشكر مع النصر.. حتى لا تتحول النعمة إلى ثغرة

الأخوة المؤمنون المجاهدون في سبيل الله؛ نحن أمة قرآنية...

مأساة سجن الجوف

تتواصل فصول المأساة الإنسانية في اليمن لتسجل الذاكرة الوطنية...

الرياض تبتز العالم بعد هزيمتها في اليمن

خلال الأيام الماضية تبنت القنوات العربية المتصهينة رواية النظام...

لبنان يتمسّك بذاكرته: إحياء ذكرى تشييع السيدين “نصرالله وصفّي الدين” لتأكيد الهوية الوطنية وبعث رسائل التماسك والسيادة

في لبنان، حيث تُقاس المواقف بميزان السيادة قبل الشعارات، عاد مشهد إحياء الذكرى السنوية الأولى لتشييع السيدين حسن نصرالله وهاشم صفيّ الدين ليؤكد حقيقة لبنانية ثابتة: الذاكرة الوطنية ليست تفصيلاً، بل جزء من معركة تثبيت الهوية وحماية الاستقرار.

ففي بلد يرزح تحت أزمات اقتصادية خانقة وضغوط إقليمية متشابكة، جاءت المراسم التي نظّمتها “جمعية كشافة الإمام المهدي” عند المزارين في بيروت ودير قانون النهر، بوصفها حدثاً يعكس تجذّر الرموز في الوعي الشعبي، ويكشف في الوقت نفسه حجم التحدي الذي يواجهه اللبنانيون في الحفاظ على تماسكهم وسط عواصف الداخل والخارج.

الفعالية التي اتسمت بالرمزية الدينية والانضباط التنظيمي—من وضع أكاليل الزهور، إلى عزف النشيد الوطني اللبناني، مروراً بمقطوعة “موسيقى أجيال السيد”—بدت كرسالة داخلية قبل أي شيء: لبنان يريد أن يحمي ذاكرته وكرامته، وأن يُبقي قضاياه الكبرى خارج بازار الابتزاز السياسي.

وفي كلمة الشيخ نزيه فياض، ظهر البعد الأوضح للرسالة حين شدد على أن “الوفاء لا يختصره إحياء الذكرى” بل يمتد إلى التربية والثقافة وبناء الأجيال، مؤكداً أن حضور القيادتين الراحلتين “لم ينقطع في وجدان الأتباع”. هنا تتقدّم فكرة الدولة والمجتمع: العمل على تحصين الشباب، وتثبيت الانتماء، وتربية جيل لا يُستدرج إلى التفكك والانقسام.

وفي لحظة لبنانية بالغة الحساسية، بدا التركيز على البعد التربوي والثقافي وكأنه محاولة واعية لإعادة ضبط البوصلة نحو ما يحتاجه البلد فعلاً: التمسك بالهوية، حماية السلم الأهلي، وتعزيز الروابط الاجتماعية في مواجهة الانهيار الاقتصادي والهجرة وفقدان الثقة. فحين يتحول العمل الكشفي إلى مساحة تنظيم وانضباط وخدمة مجتمعية، يصبح جزءاً من “مناعة لبنان” لا مجرد نشاط احتفالي، ويغدو الاستثمار في الأجيال رسالة تقول إن هذا البلد—مهما اشتد عليه الضغط—لا يسمح بتحويل أزماته إلى طريق لتفكيك مجتمعه أو اقتلاع ذاكرته.

استحضار التشييع الذي قُدِّم بوصفه “حاشداً” لم يكن مجرد استرجاع للمشهد، بل كان تذكيراً بأن هناك شريحة واسعة من اللبنانيين ترى في رموزها جزءاً من سرديتها الوطنية، وأن التعدد اللبناني لا يُدار بمحاولات الإلغاء أو السخرية من مشاعر الناس، بل بإدارة عقلانية تُبقي الخلاف السياسي ضمن قواعد الدولة وتحفظ كرامة المجتمع. ومن هنا، تبرز أهمية قراءة الحدث كجزء من “حالة لبنانية” أوسع: بلدٌ يبحث عن توازن صعب بين التنوع السياسي والاجتماعي وبين الحاجة الملحّة إلى عدم الانزلاق نحو الفوضى.

وبالطبع، أثارت المناسبة تفاعلات متباينة—كما هي عادة لبنان—بين من اعتبرها تجديداً للوفاء والهوية وبين من قرأها كفعل سياسي بغطاء رمزي. لكن جوهر الصورة يبقى لبنانياً بامتياز: الانقسام لا يُلغى بالتجاهل، بل يُدار بالحوار واحترام التعدد، لأن لبنان لا يملك رفاهية فتح جبهات داخلية إضافية بينما يواجه انهيارات متراكمة وضغوطاً تتجاوز حدوده.

في المحصلة، لم تكن المراسم مجرد وقفة أمام ضريحين، بل كانت إعلاناً بأن لبنان—على اختلاف أبنائه—لا يزال يتمسك بذاكرته ورموزه، وأن الوفاء حين يُترجم إلى تربية وتنشئة وعمل مجتمعي يمكن أن يتحول إلى عامل استقرار لا فتنة. والرسالة الأوضح التي خرجت من المشهد هي أن الوفاء في لبنان ليس بكاءً على الماضي، بل مسؤولية تجاه الحاضر والمستقبل: بناء أجيال، حماية نسيج اجتماعي، وإبقاء البلد واقفاً رغم كل ما يُراد له أن ينكسر.

spot_imgspot_img