تدخل المواجهة بين طهران وواشنطن مرحلةً مفصلية، حيث لم تعد المفاوضات النووية تُدار في قاعات السياسة وحدها، بل باتت تُدار أيضًا تحت وقع أكبر حشد عسكري أمريكي في المنطقة منذ عام 2003. فواشنطن تُحاول فرض معادلة تفاوضية قائمة على الترهيب العسكري، بينما تُثبت إيران أنها تتعامل مع هذا الضغط بمنطق الدولة المقتدرة: دبلوماسية من موقع الندية، واستعداد عسكري كامل لأي عدوان محتمل.
المعطيات الميدانية تؤكد أن الولايات المتحدة رفعت سقف الانتشار العسكري بشكل غير مسبوق؛ إذ كشفت تقارير تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية عن نقل أكثر من 150 طائرة أمريكية إلى قواعد في أوروبا والشرق الأوسط، غالبيتها طائرات نقل وتزود بالوقود، بما يكشف أن الأمر لا يتعلق بتحرك رمزي أو استعراضي، بل ببناء بنية عملياتية متكاملة تسمح بإدارة حرب جوية ممتدة إذا صدر القرار السياسي في واشنطن. ومع وصول حاملة الطائرات “جيرالد فورد” إلى كريت، وانضمامها إلى حاملة أخرى ومدمرات متعددة، يصبح واضحًا أن واشنطن تُفاوض وهي تضع القوة النارية في قلب الطاولة.
وتزداد الصورة وضوحًا مع ما تداولته وسائل إعلام عبرية عن هبوط 12 مقاتلة F-22 أمريكية في قواعد داخل كيان الاحتلال، في إشارة إضافية إلى أن التنسيق الأمريكي–الإسرائيلي ليس مجرد غطاء سياسي، بل جزء من ترتيبات ضغط عسكري متدرج على إيران. غير أن هذه الرسائل لم تُنتج تراجعًا إيرانيًا، بل دفعت طهران إلى تثبيت خطاب أكثر صلابة: لا تخلي عن الحقوق النووية، ولا قبول بإملاءات تُفرض تحت التهديد.
في هذا السياق، جاء موقف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي واضحًا وحاسمًا، إذ أكد أن إيران تستأنف المحادثات في جنيف بعزم التوصل إلى اتفاق عادل ومنصف، لكن من دون التنازل عن الثوابت. وشدد على أن الجمهورية الإسلامية لن تسعى إلى سلاح نووي تحت أي ظرف، وفي الوقت نفسه لن تتخلى أبدًا عن حقها المشروع في التكنولوجيا النووية السلمية، بما في ذلك التخصيب، باعتباره حقًا قانونيًا وسياديًا لشعب إيران. هذا الموقف يُعبّر عن عقيدة تفاوضية إيرانية متماسكة: حل سياسي نعم، لكن ليس على حساب السيادة الوطنية.
وما يميز الموقف الإيراني في هذه المرحلة أنه لا يفصل بين المسار الدبلوماسي والجاهزية الردعية. فالمتحدثة باسم الحكومة الإيرانية أكدت أن الدولة تسعى لإبعاد خطر الحرب، لكنها في الوقت نفسه تمتلك كل أدوات الردع لمنع أي سوء تقدير أمريكي. كما شددت على أن الجاهزية العسكرية أولوية ثابتة، وأن طهران تواجه أيضًا حربًا نفسية هدفها تصوير إيران كطرف ضعيف أو قابل للابتزاز. هذا الخطاب ليس إعلاميًا فقط، بل يعكس رؤية مؤسساتية تعتبر أن حماية القرار السياسي الإيراني تبدأ من تحصين الجبهة العسكرية والنفسية معًا.
وفي مستوى أكثر صراحة، حذّر نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي من أن الأعداء قد يبدؤون الحرب لكنهم لن يستطيعوا رسم خط نهايتها، مؤكدًا أن أي عدوان على إيران لن تبقى آثاره محصورة في طرفي الصراع. كما شدد على أن حق إيران في الطاقة النووية السلمية غير قابل للتفاوض، وأن طهران لن تبدأ الحرب لكنها ستستخدم حقها الأصيل في الدفاع المشروع إذا فُرضت عليها المواجهة. هذه الرسائل الإيرانية تقلب معادلة التهديد الأمريكية: فبدل أن تُرغم طهران على التراجع، تدفعها إلى إعلان أن كلفة الحرب لن تكون أمريكية منخفضة كما يُروَّج في واشنطن.
وعلى الأرض، ترجمت إيران هذا الموقف إلى تحركات عسكرية مدروسة. فقد نفذت القوات البرية التابعة لحرس الثورة الإسلامية مناورات واسعة على السواحل الجنوبية، بمشاركة وحدات الصواريخ والمدفعية والطائرات المسيّرة والقوات الخاصة والدروع، في تدريبات تحاكي تهديدات واقعية وتؤكد أن إيران تتعامل مع التحشيد الأمريكي كاحتمالٍ عملياتي وليس كمجرد ضجيج إعلامي. الرسالة المركزية من هذه المناورات أن إيران لا تنتظر الضربة الأولى كي تتحرك، بل تبني جاهزيتها وفق تقدير استباقي للمخاطر.
وفي البحر، تتعزز معادلة الردع الإيراني بخطوات نوعية، مع تقارير عن اقتراب طهران من إتمام صفقة صواريخ صينية مضادة للسفن من طراز CM-302، وهي صواريخ أسرع من الصوت ومصممة لاختراق الدفاعات البحرية الحديثة عبر الطيران المنخفض والسرعة العالية. هذا النوع من التسليح لا يغيّر فقط الحسابات التكتيكية، بل يرفع منسوب المخاطر أمام أي انتشار بحري أمريكي في الخليج وبحر العرب، ويؤكد أن إيران تعمل على تعقيد البيئة العملياتية أمام خصومها، لا سيما مع الحديث عن مفاوضات أوسع تشمل منظومات دفاعية وأسلحة متقدمة أخرى.
في المقابل، تحاول واشنطن الحفاظ على خطاب مزدوج: التهديد بالحرب من جهة، وإبقاء نافذة التفاوض مفتوحة من جهة أخرى. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب كرر تهديداته، لكنه عاد ومنح مبعوثيه وقتًا إضافيًا للتفاوض في جنيف، في إقرار ضمني بأن الخيار العسكري ليس قرارًا سهلاً حتى داخل المؤسسة الأمريكية، خاصة مع التحذيرات من الانجرار إلى حملة عسكرية مطوّلة ضد دولة بحجم إيران وقدراتها وموقعها. وهذا التردد الأمريكي يعكس أزمة حقيقية: واشنطن تريد اتفاقًا بشروطها، لكنها تدرك أن الحرب قد تُشعل الإقليم على نحو يتجاوز قدرتها على الضبط.
إقليميًا ودوليًا، بدأت مؤشرات القلق تتسع. عدة دول غربية وآسيوية دعت رعاياها إلى مغادرة إيران أو تجنب السفر إليها، ما يكشف أن السيناريو العسكري حاضر بجدية في التقديرات الدولية. كما تصاعدت التحذيرات داخل تركيا من استخدام القواعد الأجنبية في أي عدوان على إيران، وهو ما يفضح حجم التخوف من أن يتحول أي هجوم أمريكي إلى مواجهة إقليمية متعددة الجبهات، لا مجرد ضربة محدودة كما تحاول بعض الدوائر الأمريكية تصويرها.
المشهد برمته يؤكد أن ما يجري ليس مجرد جولة تفاوض تقليدية حول نسب التخصيب وآليات الرقابة، بل صراع إرادات على شكل النظام الإقليمي نفسه. واشنطن تحشد الطائرات والأساطيل لتفرض منطق الإملاء بالقوة، بينما تُدير إيران المعركة بمنطق الحق السيادي المدعوم بالردع: تفاوضٌ مفتوح على حلول عادلة، لكن مع جاهزية كاملة لإفشال أي عدوان. ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستتفاوض إيران؟ بل: هل تقبل واشنطن باتفاق متوازن، أم تدفع المنطقة إلى اختبار عسكري واسع لا تملك ضمانات حسمه؟
في الخلاصة، أثبتت طهران أنها تخوض هذه المرحلة بـعقل بارد وإرادة صلبة:
لا استسلام تحت الحشد، لا تنازل عن التخصيب السلمي، لا تفريط بالسيادة، ولا تهاون في الرد إذا فُرضت الحرب.
أما واشنطن، فكلما رفعت حجم الحشد، ازداد انكشاف تناقضها بين خطاب الدبلوماسية وواقع الابتزاز العسكري. والمنطقة الآن تقف أمام لحظة فاصلة: اتفاق عادل يعترف بحقوق إيران، أو مواجهة ستُعيد رسم قواعد الاشتباك بقوة النار والردع.
