ذات صلة

الأكثر مشاهدة

تصعيد شامل في فلسطين.. شهداء في غزة والقدس واقتحامات واسعة بالضفة و1734 اعتداء خلال أسبوع

شهدت الأراضي الفلسطينية تصعيداً واسعاً ومتزامناً في قطاع غزة...

رعب ما قبل الضربة.. كيان الاحتلال يعيش “استنفارًا شاملاً” تحت وطأة التهديد الإيراني

تعيش الأراضي المحتلة حالة استنفار قصوى مع تصاعد التوترات بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والكيان الصهيوني، في مشهد يكشف حجم الهشاشة الأمنية والذعر الشعبي الذي يضرب الجبهة الداخلية للاحتلال كلما اقترب شبح المواجهة مع طهران. فمع ازدياد التكهنات بشأن احتمال اندلاع حرب شاملة، عاد المستوطنون إلى استحضار مشاهد الضربات الصاروخية التي هزّت الكيان خلال حرب يونيو 2025، لكن المخاوف هذه المرة تبدو أعمق، لأن التقديرات داخل الأوساط الصهيونية نفسها تشير إلى أن أي مواجهة قادمة ستكون أشد اتساعًا وأكثر تدميرًا.

في الأيام الأخيرة، تحولت حالة القلق إلى سلوك جماعي مرتبك داخل المجتمع الصهيوني؛ إذ اندفع المستوطنون إلى الأسواق لتخزين المياه والمواد الغذائية الجافة والمعلبة، وارتفعت وتيرة شراء البطاريات ومصابيح الطوارئ وصناديق الإسعافات الأولية، بينما أعادت المستشفيات رفع حالة التأهب، وأُعيد تجهيز الملاجئ تحسبًا لسيناريوهات توصف داخليًا بأنها غير مسبوقة. هذا المشهد لا يعكس مجرد حذر اعتيادي، بل يعبّر عن رعب متجذر من قدرة إيران على نقل المعركة إلى عمق الكيان وضرب مراكزه الحيوية.

وقد ساهمت التصريحات الإيرانية الأخيرة في تعميق هذا الذعر، بعدما أكدت طهران أن أي عدوان إسرائيلي أو أمريكي لن يمرّ دون رد واسع، وأن أي حرب مقبلة لن تُحصر في ساحة واحدة، بل ستفتح مسارات اشتباك متعددة تجعل المنطقة كلها أمام مواجهة مفتوحة. وتدرك النخب الأمنية الصهيونية أن الرسالة الإيرانية هذه المرة تختلف عن التهديدات التقليدية، لأنها تستند إلى تراكم نوعي في القدرات الردعية وإلى تجربة ميدانية أثبتت أن الضربات الإيرانية قادرة على اختراق العمق وإرباك منظومات الدفاع.

وتكشف استطلاعات الرأي داخل الكيان حجم هذا القلق الوجودي. فوفق نتائج صادرة عن معهد الدراسات الأمنية القومية الإسرائيلي خلال يناير 2026، فإن 62.5% من المستوطنين يعتقدون أن الأشهر المقبلة قد تشهد تجدد الحرب مع إيران، وهو رقم يعكس تحول الخوف من الحرب من احتمال نظري إلى قناعة جماعية داخل الشارع الصهيوني. وهذه النسبة لا تعبّر فقط عن قلق أمني، بل عن تصدع في ثقة المستوطنين بقدرة دولتهم على الحماية.

وفي مظهر آخر من مظاهر الذعر، صدرت تعليمات من مسؤولين في الجبهة الداخلية تدعو المستوطنين إلى التأكد من جاهزية الغرف الآمنة وإحكام إغلاق النوافذ الفولاذية وتخزين المياه والطعام والأدوية ومعدات الطوارئ. هذه التعليمات، التي يُراد لها أن تبدو تنظيمية، تحولت فعليًا إلى رسالة إنذار عمّقت القلق أكثر مما بددته، لأن المجتمع الصهيوني قرأها بوصفها اعترافًا ضمنيًا بأن الخطر بات قريبًا وحقيقيًا.

غير أن ما يزيد الرعب داخل الكيان هو اعتراف الخبراء الصهاينة أنفسهم بأن البنية التحتية الدفاعية تعاني من ثغرات خطيرة. فالمعطيات الرسمية تشير إلى أن أكثر من 2.6 مليون مستوطن يفتقرون إلى وسائل الحماية المعيارية، في حين أن نسبة المنازل المزوّدة بغرف آمنة لا تتجاوز 38%. أما البقية، فلا يجدون أمامهم سوى ملاجئ عامة قديمة، كثير منها مهمل أو مغلق أو محوّل إلى استخدامات أخرى، ما يعني أن الحديث عن “الجبهة الداخلية المحصّنة” ليس سوى وهم دعائي يتهاوى مع أول اختبار جدي.

وفي محاولة لاحتواء هذا الضعف، أجرى جيش الاحتلال مناورة واسعة للدفاع المدني حاكى خلالها سيناريو إطلاق ألفي صاروخ إيراني على مراكز سكانية، وشملت المناورة مشاهد لانهيار مبانٍ ودمار واسع في المدن. غير أن هذه التدريبات، بدل أن تبعث الطمأنينة، زادت منسوب الرعب، لأنها أكدت للمستوطنين أن المؤسسة العسكرية نفسها تتوقع ضربات كثيفة وشاملة قد تتجاوز قدرة المنظومات الدفاعية على الاستيعاب.

الإعلام الصهيوني بدوره لعب دورًا بارزًا في تأجيج هذه الحالة، إذ امتلأت الصحف والمواقع بالتحليلات التي تتحدث عن هجوم إيراني وشيك وعن ضعف الجبهة الداخلية، وعن احتمال تعرض محطات الطاقة والمنشآت الحيوية والمستوطنات لقصف مباشر. ومع تكرار هذه السيناريوهات في الخطاب الإعلامي، ترسّخ في الوعي الصهيوني أن الحرب القادمة، إن وقعت، لن تكون مجرد جولة محدودة، بل اختبار بقاء حقيقي.

وفي تطور بالغ الدلالة، ظهرت تقارير تتحدث عن نشر أنظمة دفاع جوي داخل الأحياء السكنية لأول مرة بهذا الشكل منذ حرب يونيو 2025. ورغم أن الاحتلال حاول تقديم هذه الخطوة بوصفها تعزيزًا للحماية، فإن خبراء عسكريين حذروا من أن نشر هذه الأنظمة وسط المناطق السكنية قد يحول تلك الأحياء نفسها إلى أهداف مباشرة في أي رد إيراني، ما يكشف عمق المأزق: فكل محاولة حماية إضافية قد تنتج مستوى جديدًا من الخطر.

المشهد العام داخل الأراضي المحتلة يمكن اختزاله في تعبير واحد: رعب منظم. فالمؤسسة العسكرية تدير حالة الطوارئ، والإعلام يضخ المخاوف يوميًا، والمستوطنون يكدسون المؤن ويتساءلون عن مصيرهم، بينما تنكشف حقيقة أن كيان الاحتلال يعيش اليوم تحت ضغط نفسي وأمني غير مسبوق. لقد أثبتت حرب يونيو 2025 أن كل شبر في الأراضي المحتلة يمكن أن يتحول إلى ساحة نار، ومع تعاظم التهديدات الإيرانية وإقرار الصهاينة أنفسهم بفشلهم في تأمين الحماية الكافية، يبدو أن “الردع” الذي طالما تباهى به الاحتلال قد دخل مرحلة الاهتزاز العميق.

وفي المحصلة، فإن ما يعيشه الكيان اليوم ليس مجرد قلق من حرب محتملة، بل أزمة ثقة شاملة في قدرته على الصمود أمام مواجهة واسعة مع إيران. فالملاجئ غير كافية، والجبهة الداخلية مرهقة، والمجتمع الصهيوني يزداد اقتناعًا بأن أي حرب مقبلة قد تطيح بما تبقى من صورة “الدولة الآمنة”. وهنا تحديدًا تكمن قوة الرسالة الإيرانية: ليس فقط في امتلاك الصواريخ، بل في تحويل كيان الاحتلال من موقع المهدِّد إلى موقع المترقّب الخائف.

spot_imgspot_img