ذات صلة

الأكثر مشاهدة

جنوب اليمن: بين فِخاخ التشطير وقُدسية التحرير

قبل أن نبدأ الحديث عن حجم المعاناة وكمية المأساة وقسوة الحياة التي آل إليها جنوبنا اليمني المحتلّ في ظل تراكم الصراعات السياسية والأطماع الخارجية، دعوني أضع بين أيديكم هذه الأسئلة الجوهرية:

🔹بين نزيف التشطير ونور التحرير: هل يغفر التاريخ؟

🔹لماذا نبيعُ السيادة بأوهام “الانفصال”؟

🔹بين فخاخ التمزق وقدسية الحلم..

أين يسكنُ قلب اليمن؟

في ممرات التاريخ اليمني المعقّدة، يقف “الجنوب” اليوم كأيقونة مثقلة بالندوب، ومساحة جيوسياسية تتجاذبه أمواج المصالح الدولية وتيارات الانقسام الداخلي.

إن الحديث عن الجنوب ليس مُجَـرّد نقاش حول حدود جغرافية أَو تركة سياسية، هو تساؤل وجودي حول هُوية وطنية تتعرض للنهش بين مطرقة “خديعة التشطير” وسندان “قُدسية التحرير”.

خديعة التشطير: سرابُ التجزئة:

لقد أثبتت التجربة التاريخية أن المشاريع التي تُبنى على دعوات التشطير غالبًا ما تكون “فِخاخًا استراتيجية”.

إن الترويج لفكرة العودة إلى ما قبل عام 1990 كحائط صد ضد الفشل السياسي أَو التهميش، يغفل حقيقة أن التشطير ليس علاجًا بقدر ما هو إدامةٌ للأزمة.

القوى الإقليميةَ والدوليةَ التي تداعب أحلامَ الانفصال، تهدف إلى “تجزئة المُجزأ” لضمان السيطرة على الممرات المائية والموانئ الحيوية، وتحويل الجنوب إلى رقعة شطرنج دائمة النزاع، حَيثُ تضيع التنمية وتُنهب الثروات تحت غطاء “الضرورة الأمنية”.

قُدسية التحرير: جوهر القضية:

على النقيض من ذلك، تبرز “قُدسية التحرير” كمفهوم يتجاوز الصراعات الحزبية والمناطقية.

إن تحرير اليمن –بشماله وجنوبه– من قبضة القوى الانقلابية، ومن هيمنة الأطماع الخارجية، هو الهدف الأسمى الذي تلتف حوله إرادَة الشعب.

القُدسية هنا تكمن في استعادة الكرامة الوطنية، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء مؤسّسات الدولة التي تحمي المواطن وتصون حقوقه.

إن التحرير الحقيقي هو ذاك الذي يحرّر الإنسان من الفقر، والجهل، والخوف، وهو الذي يعيد لليمن قراره المستقل، لا الذي يجعله رهينة لأجندات لا ترى في الأرض سوى “منصة انطلاق” أَو “مخزن موارد”.

مفترق الطرق: أين المخرج؟

إن التحديَ الأكبر اليوم هو كيفية صياغة مشروع وطني جامع يتجاوز “خديعة التشطير” دون تجاهل المظالم التاريخية.

إن تجاهل تطلعات الناس في الجنوب هو خطأ استراتيجي، لكن معالجته لا تكون عبر التمزيق، بل عبر:

بناء دولة المواطنة: التي تضمن توزيعًا عادلًا للسلطة والثروة، وتنهي مركزية الاستبداد.

الحوار الوطني الصادق: بعيدًا عن ضغوط الوصاية، لحل عقدة الهُوية والمشاركة السياسية.

التنمية المستدامة: فالجوع والفقر هما الوقود الحقيقي لكل دعوات الانفصال.

إن القول بأن الجنوب هو قلب اليمن النابض هو اعتراف بواقع جيوسياسي لا تستقيم بدونه بُوصلة الوطن.

إننا ندرك أن خلفَ دعوات التشطير جِراحًا حقيقية ومظالمَ تراكمت عبر عقود، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بصدق: هل نختارُ معالجةَ هذه الجراح عبر طريق “التمزق” الذي سيعيدنا إلى دوامة الضعف والتبعية، أم عبر بناء “دولة المواطنة” التي تصون حقوق الإنسان اليمني في صعدة كما في المهرة؟

إن التحرير الحقيقي، الذي نسمِّيه “قُدسية التحرير”، لا يعني القفزَ فوق تضحيات الناس، يعني تحويلها إلى صمام أمان لبناء وطن يستوعب الجميع بلا إقصاء.

إن التاريخ لا يمنح فرصًا دائمة؛ ولذا فإن الفرصة اليوم سانحة لنرتقي فوق جراحنا، ونحول تطلعاتنا المشروعة إلى لبناتٍ في جدار دولة يمنية حديثة، دولةٍ لا تُدار بالولاءات الضيقة، بل بالعدالة التي تجعل من كُـلّ مواطن حارسًا لسيادة وطنه، لا ضحيةً لأطماع الطامعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

زهراء اليمن

spot_imgspot_img