كشف البيان الأخير الصادر عن “مجلس السلام في غزة” عن انقلاب واضح على التفاهمات التي أفرزها المسار التفاوضي، بعدما تبنى المجلس بصورة شبه حرفية أهداف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووضع نزع سلاح المقاومة شرطًا مسبقًا للانسحاب الإسرائيلي، متجاهلًا مطالب الطرف الفلسطيني والالتزامات المفروضة على الاحتلال.
وأعلن المجلس أنه اجتمع مع نتنياهو وفريقه لبحث نزع السلاح في قطاع غزة والتمهيد للانتقال إلى حكم مدني، دون أن يشير في بيانه إلى عقد اجتماع مماثل مع المقاومة الفلسطينية أو الاستماع إلى موقفها من آليات تنفيذ الاتفاق، بما يعكس انحيازًا لطرف الاحتلال وإقصاءً للطرف الآخر المعني مباشرة بالتفاهمات.
ولم يتعامل المجلس مع نزع السلاح بوصفه جزءًا من حزمة متكاملة ومتزامنة تشمل وقف العدوان والانسحاب الكامل ورفع الحصار وإعادة الإعمار، بل أعاد ترتيب الاتفاق بما يخدم الرؤية الإسرائيلية، معلنًا أن انسحاب قوات الاحتلال إلى ما وراء “الخط الأصفر” لن يبدأ إلا بعد اكتمال نزع السلاح في غزة.
وبهذا الشرط، منح المجلس الاحتلال حق البقاء عسكريًا داخل القطاع إلى أجل غير محدد، وربط الانسحاب بتنفيذ مطلب إسرائيلي قابل للمماطلة والتفسير والتعطيل، بدل إلزام جيش الاحتلال بالخروج وفق المراحل والجداول التي كان يفترض أن تحكم تنفيذ الاتفاق.
وذهب المجلس إلى إعلان أن “الهدف واضح ولا جدال فيه، وهو نزع السلاح بالكامل والانتقال من حكم السلاح إلى الحكم المدني”، في خطاب يتطابق مع سردية نتنياهو التي تحاول تصوير المقاومة بوصفها العقبة أمام الاستقرار، وتتجاهل أن أصل الأزمة يتمثل في الاحتلال والعدوان والحصار والوجود العسكري الإسرائيلي داخل غزة.
كما وسّع المجلس مفهوم نزع السلاح ليشمل الأسلحة الخفيفة والثقيلة والأنفاق على حد سواء، متجاوزًا الصياغات التي تحدثت عنها التفاهمات بشأن حصر الأسلحة الثقيلة وتخزينها ومواقع الإنتاج ضمن مسار سياسي وأمني شامل، وليس تجريد القطاع بالكامل من وسائل الدفاع قبل انسحاب الاحتلال.
ويعني إدراج الأسلحة الخفيفة ضمن الخطة أن المطلوب لم يعد تنظيم الملف العسكري أو معالجة الأسلحة الثقيلة ضمن ضمانات متبادلة، بل تفكيك كامل لقوة المقاومة وتحويل غزة إلى منطقة مكشوفة أمنيًا أمام جيش الاحتلال، من دون ضمانات تمنع تل أبيب من استئناف عدوانها بعد تحقيق أهدافها.
وأعلن المجلس أن العملية ستخضع لإشراف “قوة الاستقرار الدولية” و“لجنة التحقق من التنفيذ”، لكنه لم يكشف عن آلية موازية للتحقق من انسحاب قوات الاحتلال ووقف الاغتيالات والقصف وفتح المعابر ورفع الحصار وإدخال المساعدات وبدء إعادة الإعمار.
ويظهر هذا التفاوت أن المجلس يريد إنشاء رقابة دولية صارمة على المقاومة، مقابل ترك التزامات الاحتلال غامضة ومؤجلة، ما يحول الجهات الدولية من ضامن يفترض أن يراقب الطرفين إلى أداة أمنية لتنفيذ مطالب نتنياهو داخل القطاع.
وحاول المجلس تغليف موقفه بالتأكيد أن التقدم نحو التنفيذ الكامل يعتمد على وفاء كل طرف بالتزاماته بموجب الإطار المتفق عليه، إلا أن مضمون بيانه حمّل الجانب الفلسطيني التزامًا فوريًا ومحددًا يتمثل في نزع السلاح بالكامل، بينما لم يحدد أي إجراء مسبق وملزم على الاحتلال.
ويكشف ذلك عن إعادة هندسة متعمدة لتسلسل الاتفاق، بحيث تنفذ المقاومة أخطر التزاماتها أولًا، فيما يبقى انسحاب جيش الاحتلال ووقف عدوانه وإزالة الخط الأصفر خطوات لاحقة ومشروطة بتقييم جهات تعمل وفق التصور الإسرائيلي.
والأخطر أن المجلس تبنى عمليًا معادلة نتنياهو القائمة على “نزع السلاح قبل الانسحاب”، رغم أن التفاهمات التفاوضية قامت على حزمة مترابطة من الالتزامات المتبادلة، تشمل وقف العدوان والانسحاب الكامل ورفع الحصار وإعادة الإعمار وترتيبات الإدارة المدنية والأمنية، وليس تقديم سلاح المقاومة قربانًا قبل تنفيذ الاحتلال أيًا من التزاماته الجوهرية.
وبهذا الموقف، لم يعد المجلس يتحرك بوصفه وسيطًا أو ضامنًا محايدًا، بل ظهر كطرف يتولى تحويل أهداف الاحتلال التي فشل في تحقيقها بالحرب إلى شروط سياسية وأمنية تُفرض تحت غطاء السلام.
كما أن حصر مشكلة غزة في السلاح يمثل قلبًا للحقائق، إذ يتجاهل المجلس استمرار القصف والاغتيالات والاحتلال العسكري والحصار ومنع الإعمار، ويتعامل مع المقاومة باعتبارها مصدر الأزمة، بدل التعامل مع الاحتلال بوصفه الطرف الذي دمّر القطاع وقتل سكانه وخرق التفاهمات.
ويكشف بيان “مجلس السلام” عن انتقاله من إدارة اتفاق يفترض أنه يقوم على التوازن والتزامن إلى تبني مشروع نتنياهو لنزع سلاح غزة وتغيير نظامها السياسي قبل الانسحاب، ما يهدد بتحويل الاتفاق من مسار لإنهاء العدوان إلى أداة لاستكمال أهدافه بوسائل سياسية.
ويضع هذا الانحياز المقاومة الفلسطينية والوسطاء أمام ضرورة إعادة تثبيت قواعد التفاهمات، والتأكيد أن لا تنفيذ أحاديًا ولا نزع للسلاح تحت الاحتلال، ولا انسحاب مشروطًا بتحقيق ما عجز جيش العدو عن فرضه بالقوة، وأن أي ترتيبات قابلة للحياة يجب أن تقوم على التزام متبادل ومتزامن يضمن الانسحاب الكامل ووقف العدوان ورفع الحصار وحماية حقوق الشعب الفلسطيني.
