كشف موقع “دارك بوكس” الفرنسي، في تقريرٍ حديث، عن تفاصيلٍ جديدةٍ تتعلق بخلفيات التوسع العسكري الأخير للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات في محافظتي حضرموت والمهرة، مؤكداً أن هذا التحرك لم يكن عشوائياً أو وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تخطيط مسبق ورعاية مباشرة من أبوظبي، في حين اختارت السعودية الانسحاب الميداني لتجنب صدام مفتوح مع حليفها المفترض.
وأوضح التقرير أن الإمارات تنظر إلى الشرق اليمني بوصفه جائزة استراتيجية لا مجرد منطقة نفوذ محدودة، إذ تمثل حقول النفط والموانئ والجزر والممرات البرية والبحرية محور اهتمامها الرئيسي في المعادلة الجيوسياسية. وقد خُطط لحملة الانتقالي بإشراف أمني وسياسي من أبوظبي، وبغطاء دبلوماسي وفرته شبكاتها الإقليمية، ما جعلها تبدو كتحرك منسق أكثر من كونه تمرّداً ميدانيّاً.
وأضافت المصادر الفرنسية أن القيادة السعودية كانت تشعر بقلق متزايد من تمرد الانتقالي ورفضه المتكرر الانسحاب من المحافظات الشرقية رغم الضغوط المباشرة من مايسمى بـ“المجلس الرئاسي” التابع لحكومة التحالف، معتبرة أن استيلاء الانتقالي على البنى التحتية للطاقة وتهميش القوى القبلية المحلية تجاوز خطوطاً حمراء في الحسابات السعودية. ولهذا، اتخذت الرياض قراراً استراتيجياً بالانسحاب وإعادة تموضع قواتها نحو الحدود الشرقية تفادياً لمواجهة داخلية جنوبية قد تشعل حرباً مفتوحة بين الفصائل الموالية للطرفين.
وأشار التقرير إلى أن الانسحاب الهادئ والمنظم لمرتزقة السعودية من عدن ومناطق الجنوب يمثل “منعطفاً حاسماً” في الصراع اليمني، كاشفاً حجم الهوة المتزايدة بين الرياض وأبوظبي حول مستقبل البلاد. فبينما تصرّ السعودية على الحفاظ على وحدة اليمن كخيار استراتيجي لضمان نفوذها الإقليمي، تمضي الإمارات في دعم مشاريع الانفصال والكيانات الموازية كأدوات ضغط ونفوذ طويلة المدى.
وأكدت المعلومات التي نقلها الموقع أن إعادة انتشار القوات الموالية للسعودية ليست انسحاباً كاملاً بل إعادة تموضع مدروسة تهدف إلى احتواء خطر التصعيد دون التخلي عن المجال الحيوي الشرقي. كما لفت إلى أن القرار السعودي نابع من خشية حقيقية من تفكك اليمن إلى كيانات متصارعة، وهو ما سيقوض أي فرص لتسوية سياسية موحدة مستقبلاً.
وختم “دارك بوكس” تقريره بالتأكيد أن الخلاف السعودي الإماراتي تجاوز اليمن إلى ملفات إقليمية أخرى مثل السودان، حيث تدعم الدولتان أطرافاً متنازعة، مشيراً إلى أن وثائق تقييم سعودية مسرّبة وصفت النهج الإماراتي بأنه “مدمّر ومزعزع للاستقرار” ويؤدي إلى تفتيتٍ دائمٍ لا انهيار مؤقتٍ للدولة، فيما ترى أبوظبي في اللامركزية والانفصال وسيلةً لتوسيع نفوذها وتأمين مصالحها على حساب وحدة الأراضي اليمنية واستقرارها.
هكذا، يكشف التقرير الفرنسي عن عمق الشرخ داخل تحالف العدوان الذي طالما قدّم نفسه كجبهة موحدة، ليظهر اليوم وقد تحوّل إلى حلفٍ متناحرٍ تتنازع أطرافه الغنائم والنفوذ على أنقاض اليمن المنهك بالحرب.
