ذات صلة

الأكثر مشاهدة

من هو “محمد السنوار” رئيس أركان القسام

كشفت معركة طوفان الأقصى جانبًا من أكثر الشخصيات غموضًا وتأثيرًا في تاريخ المقاومة الفلسطينية، مع إعلان كتائب عز الدين القسام استشهاد القائد العسكري محمد السنوار، الذي تولّى مهام رئيس أركان القسام خلال الحرب على غزة، خلفًا للقائد الشهيد محمد الضيف، ليُطوى بذلك فصل استثنائي من العمل السري امتد لأكثر من ثلاثة عقود في مواجهة أجهزة الاحتلال الإسرائيلي.

الشهيد السنوار، الذي انضم إلى صفوف القسام عام 1992، جسّد نموذج القائد الميداني المتخفي، إذ لم يظهر طوال مسيرته في أي صورة أو تسجيل علني مكشوف، ما أربك المنظومة الاستخبارية للاحتلال وحرمها من بناء ملف دقيق عنه. وخلال سنوات المطاردة الطويلة، حافظ على نهج التخفي الصارم، متنقلاً بأساليب تمويه دقيقة، مستخدمًا مركبات عادية، ومتجنبًا أي نمط يمكن رصده، حتى داخل محيط سكنه في خان يونس.

وبرز دور الشهيد السنوار بشكل حاسم في الإعداد لمعركة السابع من أكتوبر 2023، حيث أشرف على تفاصيل العمليات والتسليح دون الكشف عن الأهداف النهائية حتى لأقرب الدوائر التنظيمية، في واحدة من أكثر خطط الخداع العسكري إحكامًا. فقد وجّه بإنتاج كميات كبيرة من صواريخ بمديات محددة، ليتضح لاحقًا أنها شكّلت العمود الفقري لمنظومة «رجوم» التي أمّنت غطاءً ناريًا شاملًا لقصف مستوطنات غلاف غزة مع انطلاق المعركة.

ميدانيًا، لم يكن الشهيد قائد غرف عمليات فحسب، بل انخرط مباشرة في ساحات الاشتباك، وشارك في معارك شرق خان يونس خلال عدوان 2014، حين كان قائدًا للواء خان يونس، وهي المعارك التي كبّد فيها الاحتلال خسائر بشرية غير مسبوقة. كما تولّى لاحقًا الإشراف على خطوط الإمداد والتموين العسكري، ونسج علاقات خارجية مع الجهات الداعمة للمقاومة، واضعًا أسسًا استراتيجية لاستمرارية التسليح والتصنيع العسكري رغم الحصار.

وعلى مستوى العمليات الخاصة، ارتبط اسم محمد السنوار بملفات نوعية شكّلت ضربات موجعة للاحتلال، من بينها عملية “ثقب في القلب” عام 2005، وتأمين الجندي الأسير جلعاد شاليط لخمسة أعوام كاملة، إضافة إلى إدارته للرد العسكري عقب كشف القوة الخاصة الإسرائيلية شرق خان يونس عام 2018. كما أولى اهتمامًا بالغًا بتطوير البنية التنظيمية للقسام، فأسس شبكات اتصالات داخلية آمنة، وأشرف على إنشاء وحدات الإدارة وضبط الجودة في الصناعات العسكرية.

استُشهد القائد محمد السنوار إثر حزام ناري للعدو الإسرائيلي استهدف محيط المستشفى الأوروبي شرق خان يونس في مايو 2025، في محاولة يائسة من الاحتلال لادعاء إنجاز استراتيجي. غير أن سيرة الرجل، الممتدة من الأنفاق إلى غرف التخطيط، تؤكد أن اغتياله لم يكن سوى فصل جديد في معادلةٍ أثبتت أن القادة في مشروع المقاومة يُصنعون ليغيبوا شهداء، فيما تبقى آثارهم راسخة في بنية القوة والردع، وفي معركة مفتوحة حتى زوال الاحتلال.

spot_imgspot_img