أعلن الرئيس الأمريكي جهارا نهارا على مسمع ومرأى من “المجتمع الدولي” أن الولايات المتحدة “ستدير فنزويلا”، وأن الشركات الأمريكية “ستعيد بناء قطاع النفط في البلاد”، و”ستبيع جزءا كبيرا منه للمشترين العالميين، بما يشمل عملاء حاليين وجددا”. وبينما قد تبدو عملية اختطاف مادورو المحكمة “انتصارا” أمريكيا، بوصف الولايات المتحدة الدولة الأقوى المهيمنة على مصائر البلاد والعباد، إلا أن الصورة الحقيقية لما يحدث تعكس ضعفا واهتزازا أكثر من القوة والقدرة. فالسيطرة على بلد يبلغ تعداده 30 مليونا أو يزيد يعني ببساطة البحث عن “الشعب”.
لقد أدت ديلسي رودريغيز رسميا يوم أمس اليمين الدستورية كقائمة بأعمال رئيس جمهورية فنزويلا البوليفارية في فعالية أقيمت أمام الجمعية الوطنية (البرلمان) التي يرأسها شقيقها الطبيب النفسي خورخي رودريغيز غوميز منذ 2021. ونزل متظاهرون إلى الشوارع الفنزويلية تعبيرا عن رفضهم لانتهاك سيادتهم وانتهاك دستورهم واختطاف رئيسهم.
ورأيي المتواضع أن افتراض عدم وجود مقاومة لتلك العملية، وخضوع شعوب أمريكا اللاتينية، صاحبة الخبرة الكبيرة والتاريخ الطويل في حرب العصابات مع الولايات المتحدة، للهيمنة الأمريكية، هو وهم كبير وافتراض خاطئ تماما، لأنه يغفل تاريخ القارة في صراعها المستمر ضد واشنطن وبطشها ونهبها ونهمها المستمر لموارد الطاقة والثروة.
لقد بلغ معدل نمو الاقتصاد الصيني عام 2024 زهاء 5%، بينما بلغ معدل نمو الاقتصاد الأمريكي لنفس الفترة 2.8%، وبلغ الناتج المحلي الإجمالي الصيني نحو 20 تريليون دولار والأمريكي نحو 30 تريليون دولار. وهنا مربط الفرس، فإغلاق 5% من إجمالي واردات الصين (الصين تستحوذ على 85% من صادرات النفط الفنزويلي) من النفط، والأهم إغلاق آفاق التعاون والاستثمار الصيني في البلاد سيؤثر سلبا على الصين، العدو الرئيسي والوجودي للولايات المتحدة.
ما وقع منذ أيام في فنزويلا هو واقعة سطو مسلح دولية متكاملة الأركان، محاولة من الإدارة الأمريكية مواجهة الأزمات الداخلية والتراجع الأمريكي الاقتصادي والسياسي والعسكري المتسارع من خلال قفزات مظلية وإنزالات انقلابية، على أمل أن يؤدي ذلك “العرض” Show الأمريكي إلى ذر الرماد في العيون، والإيهام بقوة وهيمنة وسيطرة الإمبراطورية الأمريكية التي تنهار أمام أعيننا، وفقا لحقائق التاريخ الموضوعية.
ما نراه أمامنا اليوم هو التنفيذ العملي لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكي الجديدة التي تحمل عنوانا رئيسيا هو الهيمنة على نصف الكرة الغربي وضمان تأمينه وتأمين موارده لصالح الولايات المتحدة، وإعادة التموضع بالتخلص من بعض “أعباء الناتو” في أوروبا، وعكس اتجاه العولمة.
هل يعني ذلك تنازل الولايات المتحدة عن كونها قوة عظمى عالمية، وشرطي العالم، والعودة إلى “عقيدة مونرو” (1823) Monroe Doctrine، التي تنص على عدم تدخل القوى الأوروبية في شؤون دول نصف الكرة الغربي، مقابل التزام أمريكا بعدم التدخل في شؤون أوروبا؟ لا أتوقع ذلك، لأن الولايات المتحدة لا تزال تعلن وتقوم بإجراءات تخص غرينلاند والقطب الشمالي، بما تحمله هذه المنطقة المهمة من موارد وآفاق للاستثمار، كما توسع الولايات المتحدة من قواعدها في آسيا، وتؤسس لتوازنات أمنية جديدة في المنطقة.
لن تنزلق روسيا والصين والهند إلى مواجهات كبرى مباشرة، ويكفي على الولايات المتحدة أن تتعامل مع الأزمات المتصاعدة في ساحتها الخلفية، التي بدأت يوم 3 يناير بتلك المخاطرة الرعناء، وبإمكاننا القول إن فنزويلا بالنسبة لواشنطن لن تكون فيتنام جديدة، وإنما أفغانستان جديدة تخرج منها الولايات المتحدة خالية الوفاض بعد عشرين عاما، بانتصار لجماعات مسلحة تسمى “طالبان” وبسطها سيطرتها بعد عقدين من صراع أقوى قوة عسكرية على وجه الأرض.
إن الإمبراطوريات إنما تنهار بالضبط في لحظة التوسع والنشاط العسكري الحربي الأقصى لها، ذلك أن التوسع والتمدد يصبح في لحظة خائنة أكبر من قدرة المركز على الاستيعاب والهضم والسيطرة، وتصدير الأزمات للخارج في محاولة للبحث عن مزيد من الموارد، وافتعال الانقلابات والثورات الملونة واستنزاف الخصوم لا يعالج أزمات الداخل بقدر ما يعقدها ويزيد من تفسخ وتشرذم الجبهة الداخلية، والمنظومة الغربية بزعامة واشنطن، وصلت إلى أقصى توسع ممكن في العالم بأسره بعد توهم “النصر” على الاتحاد السوفيتي بتفككه، والعيش في وهم “القطب الواحد” زهاء ثلاثة عقود.
اختطاف مادورو ربما يكون أحد المسامير الأخيرة في نعش الولايات المتحدة، وربما النظام الرأسمالي برمته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
رامي الشاعر
كاتب ومحلل سياسي فلسطيني
