أكد الأمين العام لحزب الله سماحة الشيخ نعيم قاسم أن المنطقة برمّتها تُدار اليوم في إطار مشروع عدواني واحد تقوده أمريكا والكيان الصهيوني، يربط بين لبنان وغزة وسوريا وإيران وسائر ساحات المواجهة، بهدف سحق كل مشروع مقاومة وتجريد الشعوب من استقلالها وقرارها السيادي. وأوضح أن الضغوط العسكرية والسياسية على لبنان ليست منفصلة عما يجري في الجبهات الأخرى، بل هي جزء من غرفة عمليات واحدة تسعى لفرض الاستسلام وانتزاع كل عناصر القوة من محور المقاومة.
وكشف سماحته أنّ جهات دولية وإقليمية تحرّكت خلال الشهرين الماضيين لسؤال واحد مباشر ووحيد: هل سيتدخّل حزب الله إذا شنت أمريكا والعدو الصهيوني حرباً على إيران؟ موضحاً أن هؤلاء الوسطاء كلّفوا عملياً بأخذ تعهد بعدم التدخل وعدم الارتباط بما قد يجري، في وقت تبحث فيه واشنطن وتل أبيب – بحسب ما نُقل – ثلاثة سيناريوهات: ضرب حزب الله أولاً ثم إيران، أو إيران أولاً ثم حزب الله، أو استهداف الجانبين معاً في وقت واحد. وأكد أن هذا التفكير يعكس قناعة العدو بأن حزب الله جزء ثابت من معادلة الردع في المنطقة ولا يمكن فصله عن إيران ومحور المقاومة.
وشدّد الشيخ قاسم على أن الحزب ليس ولن يكون حيادياً أمام مشروع عدواني يستهدف إيران وعموم محور المقاومة، وأنه معنيّ بكل ما يجري، لأنه في قلب بنك الأهداف الأمريكي–الصهيوني، ولأن العدوان المحتمل لا يفرّق بين ساحات المقاومة. وأكد أن قرار الحزب الحاسم هو الدفاع والمواجهة، مع ترك تفاصيل شكل التدخل وتوقيته وآلياته لتقدير القيادة وفق معطيات الميدان والظرف السياسي آنذاك، مشيراً إلى أنّ غياب التكافؤ في القوة لا يلغي حق الدفاع، بل يجعله أكثر مشروعية، لأن المستكبر هو من يبدأ العدوان، فيما يصبح ردعه واجباً شرعياً وأخلاقياً وسياسياً.
وردّاً على من يتذرّع بأن نهج المقاومة “يزجّ لبنان في مواجهات لا طاقة له عليها”، اعتبر سماحته أن من يضع لبنان تحت الوصاية الأمريكية ويخدم المشروع الأمريكي–الصهيوني هو الذي يجرّ البلاد إلى الهلاك، مؤكداً أن خيار الوقوف بوجه العدوان واستنهاض عناصر القوة الوطنية هو الذي أعاد للبنان كرامته واستقلاله ومكانته على مدى العقود الماضية، مقابل مشاريع كانت تعمل على دمج لبنان في خارطة الكيان الصهيوني وبيع أرضه وحدوده ومياهه وثرواته للمحتل.
وجدد الشيخ قاسم التأكيد على الإيمان القيادي والعملي بولاية الفقيه، مشدداً على أن أي تهديد باغتيال الإمام القائد السيد علي الخامنئي – سواء صدر عن دونالد ترامب أو عن أي مسؤول أمريكي آخر – هو تهديد لملايين الأحرار في الأمة والمنطقة والعالم، وعدّه استهدافاً مباشراً للاستقرار في الإقليم والعالم. وأوضح أن المسؤولية العقائدية والسياسية تفرض على قوى المقاومة الاستعداد لكل الخيارات في مواجهة هذا النوع من التهديدات، مؤكداً أن حزب الله يعتبر نفسه معنياً باتخاذ ما يلزم لردع مثل هذه المغامرات، باعتبار أن الاعتداء على قيادة الثورة هو اعتداء على جوهر مشروع التحرر في المنطقة.
وأشار سماحته إلى أن أقسى ضربة استراتيجية تلقّتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في القرن الأخير تمثلت في انتصار الثورة الإسلامية في إيران وبقاء الجمهورية الإسلامية قلعة للأحرار، بعدما تحولت إلى نموذج لدولة مستقلة القرار، متقدمة علمياً واجتماعياً وأخلاقياً وثقافياً، وقادرة على الوقوف في وجه منظومة الهيمنة الغربية. ولفت إلى أن إيران واجهت خلال السنوات الماضية جولات متتالية من العدوان والحصار والمؤامرات الأمنية، لكنها – بفضل التكافل الشعبي والالتفاف حول القيادة والحرس والقوى الأمنية – أفشلت مشاريع إسقاطها من الداخل، وخرجت أكثر تماسكاً وإصراراً على خيار المقاومة.
وأكد أن محاولات استغلال الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لإشعال الفوضى كانت جزءاً من حرب أمريكية–صهيونية ناعمة تمثلت في دسّ مجموعات منظمة داخل احتجاجات مشروعة لتحويلها إلى أعمال قتل وحرق وتخريب ممنهج، في محاولة لضرب ثقة الشعب بدولته وثورته. وشدد على أن الذريعة الأمريكية مكشوفة تماماً، فواشنطن لا تريد فقط تحجيم إيران، بل تسعى لإعادة فرض وصايتها على المنطقة والعالم، وترفض بالمطلق اعترافاً بحق إيران في امتلاك برنامج نووي سلمي وقوة صاروخية متطورة وبناء قدرات دفاعية ودعم المستضعفين وتكريس دولة مستقلة ذات سيادة.
وفي توصيفه للخطاب الغربي حول “السلام”، اعتبر الشيخ قاسم أن ما يسمّونه “سلاماً بالقوة” ليس إلا استعماراً بالقوة وفرضاً للهيمنة تحت عنوان السلام، مشيراً إلى أن الإبادة الجماعية في غزة تمثل أوضح صورة لوحشية المشروع الأمريكي–الصهيوني، وأن التواطؤ الغربي معها مشاركة كاملة في الجريمة. وأكد أن العدوان المفتوح على لبنان – الحالي أو المحتمل – لا يمكن تغليفه بخوف مزعوم من “نية المقاومة”، لأن الاعتداء قائم بالفعل، بينما المقاومة في موقع الدفاع عن الأرض والشعب والسيادة. وحذر من أن أي حرب شاملة على إيران لن تبقى داخل الحدود الإيرانية، بل ستفتح المنطقة على مواجهة واسعة النطاق، في ظل حقيقة أن إيران دعمت حركات المقاومة على مدى 43 عاماً في إطار مشروع مشروع لتحرير الأرض وكسر المعادلات المفروضة بالقوة.
وختم سماحته بالتأكيد على أن الاستسلام خيار يضمن خسارة كل شيء بلا سقف، أما خيار المقاومة والدفاع فيبقي باب الأمل مفتوحاً على احتمالات النصر وتبدل الموازين، مضيفاً: “لا تهددونا بالموت، فالموت بيد الله، أما الكرامة والعزّة فهما بيدنا، ولن نتخلى عنهما لأنها مسؤولية وتكليف”. ووجّه تحية خاصة للجمهورية الإسلامية في إيران وشعبها، قائلاً إن الإيرانيين “دُرّة التاج” في مشروع المقاومة، مؤكداً وحدة الجبهة والمصير: نحن معكم وأنتم معنا، في معركة واحدة ضد الاستكبار الأمريكي–الصهيوني وأدواته في المنطقة.
