أنهت السلطات السعودية عمليًا مسار ما سُمّي بمؤتمر “الحوار الجنوبي” عبر البدء بفضّ الوفود التي جرى استقدامها إلى الرياض، في خطوة عكست تراجع فرص انعقاد المؤتمر وتصاعد الخلافات بين الأطراف الجنوبية، وتحويل “الحوار” من واجهة سياسية إلى أداة ضبطٍ وإخضاع.
وبحسب مصادر إعلامية، قامت لجان سعودية بصرف مبالغ مالية للوافدين من محافظات جنوب وشرق اليمن—قرابة “50 ألف ريال للإعلاميين” ونحو “120 ألف ريال للسياسيين”—مع إبلاغهم بأن المؤتمر “لن ينعقد قريبًا” وطلب مغادرتهم، بالتوازي مع إنهاء ترتيبات إقامتهم في الفنادق المخصصة لهم، بما بدا كعملية تفريغٍ منظّمة لقاعةٍ لم تُفتح أصلًا، ورسالة بأن القرار في الرياض لا في “الوفود”.
وفي مقابل ترحيل الواجهات المدنية والإعلامية، أبقت الرياض القيادات العسكرية الجنوبية لفترة أطول، ضمن ترتيبات تقول مصادر إنها تستهدف إعادة هيكلة المليشيات وفك ارتباطها بالمجلس الانتقالي، بما يُعيد تشكيل الخارطة الأمنية جنوبًا وفق ميزان سعودي خالص، ويُحوّل “الشركاء” إلى وحداتٍ وظيفية تُدار بريموت السيطرة.
وتأتي هذه الخطوات بعد تسريبات سابقة تحدثت عن تأجيل المؤتمر ثلاثة أشهر ونقل مقره إلى عدن دون لجنة تحضيرية، رغم حملات حشدٍ إعلامي سبقتها واستقدام مئات الناشطين والقيادات العسكرية والأمنية إلى الرياض، في ما وصفته مصادر بأنه “عمليات استتابة” سياسية للانتقالي وقيادته، لا مسار حوارٍ متكافئ.
ويرى مراقبون أن ما جرى أسقط مصداقية نخبٍ جنوبية راهنت على “الختم السعودي” لتثبيت حضورها، قبل أن تُعاد من الباب ذاته الذي دخلت منه، بينما بقيت القيادات الميدانية خارج هذه الترتيبات على خلافٍ مع مسار الرياض، في وقت يظل مصير عدد من المقاتلين والقيادات غامضًا وسط عمليات إعادة فرزٍ وتدوير.
وبقراءةٍ أشمل، تعكس الخطوة رغبة سعودية في إعادة ترتيب الجنوب بالكامل تحت نفوذها المباشر، وإبقاء القيادات العسكرية في وضعٍ حرج يسمح للرياض بفرض قبضتها على القرارين السياسي والأمني في المحافظات الجنوبية، ليصبح “الحوار” مجرد عنوانٍ يُرفع عند الحاجة ويُسحب عند اكتمال المهمة.
