في خطاب تصعيدي حمل رسائل سياسية وعسكرية واضحة، أكد المرشد الإيراني الأعلى السيد علي خامنئي أن الولايات المتحدة، رغم عقود من الضغوط والعقوبات، لم تتمكن من القضاء على الجمهورية الإسلامية ولن تتمكن من ذلك مستقبلاً، موجهاً حديثه مباشرة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقوله: “لن تتمكن أنت أيضاً”.
وجاءت تصريحات السيد خامنئي في طهران بالتزامن مع انطلاق الجولة الثانية من المفاوضات بين طهران وواشنطن في جنيف، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي بعد تعثره على خلفية الحرب الإيرانية الإسرائيلية العام الماضي، والتي شهدت انخراطاً أمريكياً عبر ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية.
التصعيد الكلامي تزامن مع تعزيزات عسكرية أمريكية في المنطقة، إذ أعلنت واشنطن إرسال حاملة طائرات ثانية لتنضم إلى “أبراهام لنكولن” في بحر العرب، في خطوة اعتبرتها طهران رسالة ضغط واضحة. غير أن خامنئي قلل من تأثير هذه التحركات، محذراً من أن “السفينة الحربية شيء خطير، لكن الأخطر هو السلاح القادر على إغراقها”، في إشارة إلى القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية.
وأبدى المرشد الإيراني شكوكاً حيال مآلات المفاوضات الجارية، معتبراً أن تحديد نتائج التفاوض مسبقاً أو فرض شروط مسبقة هو “خطأ وجنون”، في رد غير مباشر على المطالب الأمريكية بوقف تخصيب اليورانيوم وتوسيع نطاق المحادثات لتشمل برنامج الصواريخ البالستية ودعم طهران لحلفائها في المنطقة. وشدد على أن حق إيران في تخصيب اليورانيوم غير قابل للتفاوض، وأن أي حوار يجب أن يقتصر على الملف النووي ورفع العقوبات.
وتبقى مسألة مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% من أبرز نقاط الخلاف بين الجانبين، في ظل إصرار واشنطن على وقفه بالكامل، مقابل تمسك طهران باعتباره جزءاً من برنامجها السلمي، ومؤكدة أنها لن تقدم تنازلات في “المجال الدفاعي” أو تحت الضغط العسكري.
وفي الشأن الداخلي، تناول خامنئي الأحداث الأخيرة التي شهدتها البلاد، مصنفاً الضحايا إلى ثلاث فئات، ومؤكداً أن الجميع – باستثناء من وصفهم بـ“قادة الفتنة ومثيري الشغب المحترفين” – يُعتبرون أبناءه.
وضم التصنيف أفراد قوات الأمن والحرس الثوري والبسيج الذين قُتلوا أثناء أداء واجبهم، إضافة إلى المدنيين الذين سقطوا خلال الاضطرابات، وكذلك من وصفهم بـ“المنخدوعين قليلي الخبرة” الذين شاركوا في الاحتجاجات دون إدراك كامل لعواقب أفعالهم.
وأكد أن القلوب مفجوعة على الدماء التي أُريقت، مشدداً على أن دائرة الضحايا واسعة النطاق باستثناء من ثبت تلقيهم دعماً مباشراً من الخارج، في إشارة إلى ما تعتبره طهران تدخلاً خارجياً في الشأن الداخلي.
وفي الختام، شدّد خامنئي على أن دائرة الضحايا الذين تُحتسب ذكراهم واسعة النطاق، فباستثناء قادة الفتنة ومن تلقوا دعما ماليا أو عسكريا مباشرا من الخارج، فإن الباقين – سواء كانوا مدافعين عن الأمن، أو عابري سبيل، أو حتى من شاركوا لفترة محدودة في الاضطرابات – يُعتبرون من الأبناء الذين تُرجى لهم الرحمة والمغفرة، سائلا الله أن يتجاوز عن أخطائهم.
وبين تصعيد الخطاب السياسي واستمرار المفاوضات، تبدو المرحلة الحالية محكومة بمعادلة مزدوجة: ضغط عسكري متبادل ورسائل ردع واضحة، مقابل نافذة تفاوضية ضيقة تحاول منع الانزلاق إلى مواجهة أوسع، في وقت تزداد فيه تعقيدات الملف النووي وتتشابك مع حسابات الأمن الإقليمي والدولي.
