ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ماذا سقط مع طائرة F15

سقوط طائرة حربية سعودية تابعة للجوية الملكية السعودية أمريكية...

300 غارة سعودية خلال أسبوع.. صنعاء ترصد تصعيدًا جويًا واسعًا طال تسع محافظات

أعلن متحدث القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع أن...

(تسونامي) عربي ـ إسلامي كاذب..!

أيهما أكثر قداسة وحرمة: مكة أم الحرم المكي..؟ أكيد الحرم...

السعودية تخسر القوة الدينية الناعمة

الحكومة السعودية الحالية خسرت أهم وأقوى أوراقها السياسية؛ ألا...

طهران تفاوض واشنطن بـ“عينين مفتوحتين”.. مرونة محسوبة على النووي وتمسّك بالسيادة تحت ظل الحشد العسكري

دخلت طهران جولة مفاوضاتها الأخيرة مع واشنطن في مسقط بمنهج واضح يجمع بين الانفتاح الحذر والذاكرة الأمنية الحاضرة، في ظل استمرار الحشد العسكري الأمريكي في المنطقة. وبعد أسابيع من الشد والجذب، انعقدت الجولة بوساطة عُمانية، لتكشف الساعات الأولى عن مسار تفاوضي غير مباشر اتّسم بالحذر، قبل أن تتبدل الأجواء لاحقًا نحو قدر من الارتياح السياسي المعلن من الطرفين.

المحادثات التي انطلقت صباح الجمعة في العاصمة العُمانية جرت أساسًا عبر الوسيط، وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي، الذي تنقّل بين الوفدين، قبل أن يُكشف لاحقًا عن لقاء مباشر قصير جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. هذا التطور عكس وجود رغبة متبادلة في اختبار المسار التفاوضي، ولو ضمن حدود مضبوطة، بعد خلافات سابقة بشأن مكان التفاوض وأجندته.

ومنذ البداية، حرصت طهران على تثبيت خطابها السياسي والتفاوضي، حيث قدّم عراقجي ما وُصف بخطة أولية لإدارة الوضع الراهن مع واشنطن ودفع المفاوضات قدمًا، مع تأكيده أن الوفاء بالالتزامات والمساواة والاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة هي ركائز أي اتفاق دائم.

اللافت في الخطاب الإيراني كان تأكيد عراقجي أن بلاده تدخل المفاوضات “بعينين مفتوحتين وذاكرة حاضرة”، في إشارة مباشرة إلى تجربة العام الماضي وما شهدته من غارات إسرائيلية مدعومة أمريكيًا استهدفت منشآت نووية وعسكرية إيرانية، قبل أن تنخرط واشنطن لاحقًا بشكل مباشر في الأيام الأخيرة من تلك الحملة.

هذا الاستحضار الإيراني للتجربة السابقة لم يكن تفصيلًا لغويًا، بل رسالة تفاوضية مقصودة تؤكد أن طهران لا تتعامل مع الجولة الجديدة باعتبارها مسارًا منفصلًا عن السياق العسكري والسياسي المحيط، بل تفاوض تحت سقف الحذر الإستراتيجي. وفي هذا الإطار، بدا أن إيران حققت مكاسب شكلية ومهمة في مرحلة ما قبل التفاوض، أبرزها فرض مسقط كمقر للجولة، رغم التباين السابق مع واشنطن بشأن المكان وطبيعة الترتيبات.

وفي مضمون التفاوض، برز العنوان الأوضح: إصرار إيراني على حق التخصيب مقابل مؤشرات تفهّم أمريكي نسبي. ووفق المعطيات المتداولة، رفضت طهران الدعوات الأمريكية لوقف تخصيب اليورانيوم على أراضيها، لكنها أبدت استعدادًا لمناقشة مستوى التخصيب ونقائه، أو صيغ إقليمية لإدارة هذا الملف. هذا الطرح يعكس مقاربة إيرانية قائمة على الحفاظ على أصل الحق السيادي، مع إبداء مرونة فنية يمكن توظيفها في إطار تسوية لا تمس جوهر الموقف الإيراني.

كما أشارت التسريبات إلى أن الوفد الأمريكي أبدى قدرًا من المرونة تجاه مطالب طهران، وأن القدرات الصاروخية الإيرانية لم تُطرح للنقاش خلال محادثات مسقط، وهو ما يُعد مؤشرًا مهمًا على نجاح إيران في حصر التفاوض داخل الملف النووي ومنع توسيعه إلى ملفات القوة الإقليمية والدفاعية. وفي السياق نفسه، ظهرت تقديرات أمريكية تفيد بأن طهران قد تبدي مرونة مؤقتة في بعض جوانب التخصيب، لكن دون تقديم تنازلات أوسع يمكن أن تُفسّر داخليًا كعلامة ضعف.

ومع انتهاء ساعات التفاوض غير المباشر، طرأ تحول واضح على النبرة الإيرانية، إذ وصف عراقجي أجواء المحادثات بأنها “جيدة”، معلنًا الاتفاق على استمرارها، مع التأكيد مجددًا على أن موضوعها يقتصر على الملف النووي فقط. هذا التحول في اللهجة عكس ارتياحًا إيرانيًا نسبيًا لنتائج الجولة الأولى، أو على الأقل لعدم انزلاقها إلى شروط أمريكية قصوى منذ البداية.

في المقابل، ساهمت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تهدئة نسبية للمشهد، بعدما أشاد بمباحثات مسقط ووصفها بأنها جيدة للغاية، وقال إن إيران تبدو راغبة في التوصل إلى اتفاق، مؤكدًا أن واشنطن ليست تحت ضغط زمني. لكنه في الوقت نفسه أعاد تثبيت السقف الأمريكي التقليدي برفض امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، مع الإبقاء على لغة الضغط العسكري عبر إعلانه أن أسطولًا بحريًا ضخمًا يتجه إلى الشرق الأوسط.

وهنا تتضح المعادلة التي حكمت جولة مسقط: مفاوضات تمضي إلى الأمام، لكن تحت ظل الحشد العسكري والرسائل المتبادلة بالقوة. فواشنطن تُبقي أدوات الضغط قائمة حتى وهي تتحدث عن أجواء إيجابية، فيما تتقدم طهران بخطاب تفاوضي مرن في الشكل، ثابت في الجوهر، يركز على الحقوق النووية ويرفض توسيع المفاوضات إلى عناصر القوة الأخرى.

في المحصلة، أظهرت طهران في هذه الجولة أنها تفاوض ببراغماتية محسوبة لا تنفصل عن خبرتها مع واشنطن، وأنها تحاول تحويل الضغط العسكري الأمريكي إلى عنصر دفع نحو تفاهم محدود، لا بوابة لانتزاع تنازلات سيادية. وبين الإشادة المتبادلة واستمرار الحشود، يبقى مسار مسقط مفتوحًا على اختبار حقيقي: هل يتطور إلى إطار تفاوضي مستقر، أم يبقى هدنة سياسية مؤقتة فوق صفيح إقليمي ساخن؟

spot_imgspot_img