ذات صلة

الأكثر مشاهدة

تصعيد شامل في فلسطين.. شهداء في غزة والقدس واقتحامات واسعة بالضفة و1734 اعتداء خلال أسبوع

شهدت الأراضي الفلسطينية تصعيداً واسعاً ومتزامناً في قطاع غزة...

من “مختبر غزة” إلى “مهرجان الدم”: كيف يحوّل “كيان العدو الإسرائيلي” الإبادة إلى صناعة ويُسوّق الجريمة كابتكار

بين قاعات معارض السلاح في تل أبيب وركام الأحياء السكنية في غزة، تتكشف صورة واحدة متكاملة: كيانٌ يحوّل الحرب إلى نموذج أعمال، ويُعيد تغليف الإبادة بلغة “الابتكار” و”الخبرة الميدانية”. ففي معرض تكنولوجيا الدفاع للاحتلال (إسرائيل 2026)، الذي وُصف بأنه الأكبر منذ اندلاع حرب غزة، رُفعت شعارات عن «تقنيات مُجرَّبة قتاليًا» و«ابتكار تحت النيران»، بينما كان المقصود عمليًا أن هذه الأنظمة جرى اختبارها على أرضٍ حقيقية سقط فيها آلاف المدنيين.

الحقوقية الصهيونية سابير سلوزكر عمران لخصت المشهد بعبارة «مهرجان الدم»، مؤكدة أن الإعلان التسويقي للمعرض ينزع السياق الأخلاقي عن القتال ويحوّل المأساة إلى “ميزة تنافسية”. فمصطلحات مثل «مجرَّب ميدانيًا» لا تعني إلا أن الأداء “ثبت” في واقعٍ قُتل فيه مدنيون بالعشرات والمئات في يوم واحد، وتراكمت الحصيلة إلى عشرات الآلاف خلال عامين. هنا، لا تُقاس الجودة بدقة الهندسة فقط، بل بمدى الفتك وسرعة التنفيذ.

لم يكن في الدعاية أي حديث عن إخفاقات أو عن أخلاقيات استخدام أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي تقلّص دور الإنسان في القرار وترفع مخاطر قتل غير المقاتلين. بل عُرضت مقاطع مصوّرة تُبرز نتائج “التقنيات” في بيئات مدنية، بما في ذلك مشاهد لأسر كاملة تحت القصف، في استعراضٍ يُحوّل الضحية إلى “دليل كفاءة”. وتقول عمران بوضوح: «العارضون يعلنون بلا خجل بأن غزة هي المختبر الذي يمكّنهم من جني المزيد من الأرباح»، وأن الأرقام التي تهمهم هي القيمة السوقية وحجم الطلبات.

الأرقام بدورها تكشف المنحى: ارتفاع مبيعات سلاح “كيان العدو الإسرائيلي” بأكثر من 18% خلال العامين الماضيين، وطلبات للصناعة الدفاعية بلغت 68.4 مليار دولار بنهاية 2024، مع صادرات قياسية تجاوزت 14.7 مليار دولار. إنها حلقة ربح تتغذّى على الدم: كل جولة قصف تُنتج “خبرة عملياتية” تُباع، وكل ركام يتحول إلى سطر في كتيّب تسويق.

ولا يمكن فصل هذه الصناعة عن العقيدة الأمنية للكيان: تحويل التفوق الناري إلى سردية ردع دائمة، وتثبيت إسرائيل كمركزٍ لمنظومة أمن إقليمي تُعاد هندستها عبر التطبيع والتعاون الاستخباراتي. في هذه القراءة، لا يكون التطبيع مجرد علاقة دبلوماسية، بل إعادة توزيع للسيادة داخل ملفات الأمن، يُنقل فيها الاحتلال الإسرائيلي من “طرف” إلى “مركز”، وتُحوَّل عواصم أخرى إلى امتدادات وظيفية لشبكة تقودها تل أبيب بدعمٍ أمريكي.

ويُعاد تعريف “الواقعية السياسية” بما يخدم هذا المسار: يُقدَّم القبول بالهيمنة كحكمة، بينما يُوصم الرافضون بالسذاجة. غير أن الوقائع الميدانية—من حرب استنزاف متعددة الجبهات إلى تآكل القدرة على الحسم السريع—تقوّض فكرة التفوق الدائم، وتكشف أن القوة التي تحتاج إلى إبادةٍ مستمرة لتثبيت صورتها ليست قوة مستقرة. فحين تُسوَّق المجازر كـ“إنجاز”، ويُستثمر الحصار كـ“أداة ضغط ناجحة”، فإن الشرعية تُستبدل بالردع، والقانون الدولي يُستبدل بمنطق الإفلات من العقاب.

النتيجة أن المعرض ليس حدثًا اقتصاديًا محايدًا، بل امتداد لجبهة القتال: الدعاية تُكمّل القصف، والمنتج يُغطي على المقبرة. وبينما يُرفع شعار “الأمن”، تُسحق القيم الإنسانية. لذا، كما تختم عمران، «لا شيء في هذا روتيني أو محايد»؛ فغزة ليست ساحة اختبار تقني، بل مرآة فاضحة لمنظومة تُحوّل الإبادة إلى علامة تجارية، وتطلب من العالم أن يعتاد المشهد.

إن الصورة الكاملة لكيان الاحتلال، كما تتجلى من الميدان إلى قاعات العرض، هي صورة صناعة عدوان تُراكم أرباحها من آلام المدنيين، وتُحاول تطبيع الجريمة كلغة ابتكار. وفي مواجهة هذا التطبيع، يبقى السؤال: هل يُسمح بأن يُعاد تعريف القتل كميزة تنافسية، أم يُعاد وضعه في مكانه الصحيح كجريمة تستوجب المساءلة؟

spot_imgspot_img