دخلت المواجهة الأفغانية–الباكستانية طورًا أكثر خطورة بعد إعلان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن بلاده ستخوض “حربًا مفتوحة” ضد حكومة طالبان، بالتزامن مع غارات جوية باكستانية استهدفت كابل وولايتي قندهار وبكتيكا/بكتيا خلال ساعات الليل، في تصعيد يعكس انتقال الأزمة من مناوشات حدودية إلى ضربات في العمق تحمل رسائل ردع سياسية وعسكرية تتجاوز سياق “الرد على إطلاق نار” إلى محاولة فرض قواعد اشتباك جديدة على طول خط ديوراند.
وبحسب الرواية الباكستانية التي بثها الإعلام الرسمي وتقارير محلية، فإن الضربات استهدفت “منشآت عسكرية حيوية” تابعة لطالبان، وتحدثت عن تدمير مقار قيادة وتسهيلات لوجستية ومخازن ذخيرة، مع تداول مزاعم عن تدمير عشرات المواقع والاستيلاء على بعضها ومقتل وإصابة مئات من عناصر طالبان، وهي أرقام لا يمكن التحقق منها بشكل مستقل حتى الآن بسبب طبيعة المعارك والقيود الميدانية، لكنها تعكس رغبة إسلام آباد في تقديم العملية باعتبارها حملة منظّمة وليست ضربة رمزية.
في المقابل، أكد متحدث حكومة طالبان ذبيح الله مجاهد أن ما جرى هو غارات باكستانية على مناطق محددة في كابل وقندهار وبكتيكا، واصفًا القوات الباكستانية بـ“الجبانة”، ومضيفًا أنه لم ترد تقارير عن ضحايا، قبل أن يعلن أن القوات الأفغانية ردّت بهجمات على نقاط عسكرية باكستانية، في وقت أفادت فيه مصادر ميدانية بإطلاق مضادات أرضية أفغانية نيرانها عقب الغارة الأولى واستمرارها بعد الثانية، ما يعكس أن كابل تعاملت مع الضربات بوصفها اختراقًا سياديًا مباشرًا يستوجب ردًا سريعًا ولو بقدرات محدودة.
الأخطر في التصعيد ليس الغارات وحدها، بل اللغة السياسية المصاحبة لها. فآصف لم يكتفِ بإعلان “نفاد الصبر”، بل ذهب إلى اتهام طالبان بأنها “وكيل للهند” وأنها حولت أفغانستان إلى منصة لتصدير “الإرهاب”، وهي صياغة تقطع مع هامش التهدئة وتضع الأزمة في إطار صراع نفوذ إقليمي يربط كابل بنيودلهي ويُسوّغ توسيع العمليات بوصفها دفاعًا استباقيًا.
هذا التصعيد جاء بعد أيام من ضربات باكستانية سابقة داخل أفغانستان قالت إسلام آباد إنها استهدفت مخابئ “مسلحين”، بينما قالت كابل والأمم المتحدة إن الضربات أوقعت ضحايا مدنيين ووصفتها بأنها انتهاك للسيادة، وهو ما أسّس لبيئة اشتعال تراكمية انتهت الآن إلى ضرب كابل نفسها.
ميدانيًا، تبدو الحدود اليوم في حالة اشتباك متدحرج: كابل تقول إنها بدأت عمليات هجومية على نقاط باكستانية “ردًا على الاستفزازات”، وباكستان تقول إنها ترد على “نيران غير مبررة” وتستعد لمرحلة أوسع، فيما تصبح المعابر الحساسة مثل طورخم مرشحة للتحول إلى نقاط ضغط مزدوجة، لأن أي اشتباك حولها لا يوقف النار فقط، بل يخنق التجارة وحركة العبور ويضاعف الكلفة الإنسانية على جانبي الحدود.
استراتيجيًا، يمكن قراءة ما يجري كتحول من “الردع بالضربات المحدودة” إلى “الردع بالتصعيد المتدرج”، حيث تحاول إسلام آباد فرض معادلة تقول إن أي تهديد ينطلق من العمق الأفغاني سيُقابل بضرب العمق الأفغاني نفسه، بينما تحاول طالبان تثبيت معادلة مقابلة مفادها أن اختراق المجال الجوي سيقابله توسيع الاشتباك الحدودي وربما التلويح باستهداف الداخل الباكستاني سياسيًا وإعلاميًا، ما يرفع احتمالات الخطأ الحسابي ويجعل السيطرة على السقف التصعيدي أصعب.
وفي المحصلة، فإن إعلان “حرب مفتوحة” وقصف كابل يضعان المنطقة أمام سيناريوهين متوازيين: إما اندفاع نحو حملة باكستانية أوسع تُقدَّم بعنوان “معسكرات الإرهاب” وما شابه، وإما ارتداد نحو تفاهمات تهدئة جديدة بوساطات إقليمية بعد أن أصبح استمرار التصعيد مكلفًا للطرفين سياسيًا ولوجستيًا. لكن المؤكد حتى الآن أن ما حدث ليس مجرد جولة نار عابرة، بل نقلة نوعية في قواعد الاشتباك بين كابل وإسلام آباد، عنوانها أن الحدود لم تعد خط تماس فقط، بل بوابة لضربات عميقة ورسائل سيادة بالنار.
